ما السبيل 'لإنقاذ' المحاصصة الطائفية في العراق؟

لا شيء يداعب خيال العراقيين اليوم مثل موضوع الحكومة الافتراضية التي بأمكانها صنع المعجزات والتي ستخرجهم من الخانق الذي هم فيه منذ قرابة 14 عاما من الضيق والاحزان والخوف وتسلط السراق ومافيات الظلام.

لكنه خيال ان اسرف في الذهاب بعيدا الى شكل ما لعراق افتراضي بلا علل مستعصية فأنه سرعان ما سيعود الى ارض الواقع عندما تطل الوجوه الكالحة نفسها التي دمرت حياة العراقيين وكل منها حاملا ترياق الشفاء.

اطلالة ظاهرها معاضدة تلك الولادة القيصرية لحكومة محنكة ومحترفة وغير طائفية وباطنها انقاذ المحاصصة والمكاسب المتراكمة على مر السنين منذ العام 2003.

يبدو السؤال الذي يطرحه المقال غريبا، لكن الواقع العراقي الراهن يترجم هذا السؤال حرفيا فالقصة ليست الخلاص من تلك المحاصصة بل كيفية الحفاظ عليها.

يطل احد رموز تلك الطبقة السياسية مستغلا منبر الصلاة ليدعو العراقيين للكف عن شراء "الحلوى من قبيل تويكس وماكس وغيرها لأطفالهم" للخروج من الازمة الاقتصادية والتقشف كما يدعو العراقي الذي معاشه ما يعادل اقل من 100 دولار شهريا الى انفاق 30 دولار وادخار 70، هكذا ببساطة في اليوم نفسه الذي تصدر فيه تسعيرة جديدة لتعرفة المستشفيات الحكومية ومنها مثلا انك حتى لو عدت مريضا فعليك ان تدفع ثمن تلك الزيارة.

ولان قصة الاقتلاع الافتراضي للخراب المزمن ستطال عتاة السراق، وقد بدأت تلامس جرفهم بالفعل فأنهم مثل اي لصوص محترفين ومتمرسين في قلب الحقائق والموازين سيبادرون للهرب الى الامام، القاضي الذي سيشهر ملفات الفساد ويستدعي الفاسدين سيتم التشهير به والدعوة لمقاضاته، يفعلها برلماني مخضرم ونائب رئيس حكومة سابق وهو لا يكاد يلتقط انفاسه من شدة حرصه على سلامة الوطن والمواطن.

مسرحية تهريجية فاقعة فضحتهم جميعا وصار الشغل الشاغل هو استباق ما لا يحمد عقباه، ليس لإنقاذ البلاد مما هي فيه بل لأنقاذ المحاصصة بدستورها والوجوه الكالحة التي قرف العراقيون منظرها ومخبرها.

لكنهم هناك على الشاشات وعلى منصة البرلمان، لن تعوزهم القدرة على الصراخ، فقطرة الحياء والوطنية في عرفهم مسخرة ومجرد كلام مثالي، ولهذا تظافروا جميعا وكل كتلة جاءت بوصفة وترياق لكي تضع لها موطئ قدم مع القادمين الجدد الذين من المفترض ان يأتوا لا احد يعلم من اين ليحتلوا المناصب.

يوم كانت الدولة العراقية غنية قبل بضع سنين وبرميل النفط بسعر اعلى من 100 دولار تم تشريع قانون لعودة اصحاب الكفاءات المقيمين في الخارج وهم اكيد حشد حاشد من التكنوقراط الذين يتحدث الجميع عنهم اليوم. كانت بانتظارهم ثلة من عتاة المعرقلين لغرض صرف اولئك القادمين من الخارج تسبقهم شهاداتهم العليا وكفاءتهم. يروي احدهم ان وزارة التعليم العالي وهو يدخل مبنى استعلاماتها اي مع الخطوة الاولى للعودة الى احضان الوطن قيل له ان الوزير لن يرى ملفات اولئك العائدين حتى يبلغ العدد 40 او 50 او مائة في كل مرة بمعنى ان على العائد من الخارج ان ينتظر الى اجل غير مسمى يمتد شهورا حتى ينظر ذلك الوزير في الملف فأما ان يجد له حلا او يرفضه.

هكذا كان ذاك الوزير خريج المدرسة الثانوية للدعاة والوعاظ يتحكم في مصائر التكنوقراط الذين تبحث عنهم حكومة وبرلمان اليوم.

القصة اعقد من كل الخيالات فلا يمكن لأحد من تلك المئات والالاف من مافيات الفسات ان تنزع عن نفسها ورقة التوت لسواد عيون الشعب، ولا ان تتخلى عن خيمة الامان عن المساءلة والمشاع، خيمة السرقة التي تفرضها شروط المحاصصة، هي حقا خرافة من الخرافات والا لبادر صاحب فتوى حلوى تويكس واعلن تنازله عما يملك مثلا ليكون قدوة حسنة.

ثم هناك من يلجأ الى اخبث الحيل ومنها مثلا اثارة ملفات معقدة كمثل عقود تراخيص الشركات النفطية الاجنبية وهذه عقود طويلة الاجل ممتد بعضها لربع قرن واكثر وفيها التزامات دولية، شخص محنك في التنظير للمحاصصة وشرعنة سرقة المال العام او كما يسميه العراقيون "ابن سوق اصلي" يعلم جيدا ان ملفا كهذا معقد للغاية والكلام والبحث فيه يحتاج زمنا طويلا وذلك هو المطلوب، لكي تنصرف الانظار عنه وعن طبقة السراق بأكملها فيجدون منفذا للتخلص من المأزق.

هو بالفعل مأزق يشعر كثير من مفسدي الطبقة السياسية وسراقها بوطأته وزاد من ذلك الضيق انسداد حنفية المال السائب الذي يمكن بواسطته سد افواه الاعلام واسكات الخصوم كما في السابق ثم لتأتي الطامة الكبرى الا وهي الاستدعاءات وفتح ملفات الفساد القديمة منها والجديدة ولهذا فأن لا حل ولا بديل عن الذود عن المحاصصة بأي شكل واية طريقة وانقاذها بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لكي يبقى الحال على ما هو عليه ويبقى القوم يعيشون حياة سعيدة فيما الشعب يرفل بحياة تعيسة.