الوجه الآخر للأزمة الاقتصادية في اقليم كردستان

العديد من أعضاء البرلمان والبعض من أعضاء الحكومة والاحزاب والكثير من الاشخاص من مختلف المواقع والاختصاصات والوجوه والدرجات اصبحوا ضيوفاً دائمين او الاصح زبائن ومحتلين رغماً عنا لدى الكثير من القنوات الفضائية ووسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت من هدفها ومسماها الحقيقي "وسيلة تواصل اجتماعي" الى "طرق للتقاطع والتنافر الانساني والاجتماعي".

ملأ هؤلاء الاجواء والارجاء بكل ما هو معقول وغير معقول وما هو مقبول وغير مقبول عن الازمة الاقتصادية التي يمر بها اقليم كردستان، والتي هي جزء من ازمة عراقية وعالمية لكل الدول التي جعلت النفط موردها الرئيس والاساسي واهملت الزراعة وغيرها من الموارد، فصار حالها اقرب او اسوأ او افضل قليلاً من حالنا، تبعا لظروفها واحوالها وصبر واستجابة شعوبها للقرارات التي تصدرها حكوماتها.

الكثير ما يزال يصدر تصريحاته وتحليلاته التحريضية والاستفزازية من دون شعور بالمسؤولية او مراعاة لحال العامة من الناس او احترام لقانون او خوف من اي رادع، بل وصل الحال بالبعض الى تصوير الوضع بانه ساقط أو آيل للسقوط، مُرددين بان الاقليم مفلس ومدين بعشرات المليارات، وهذا الامر صدر ايضاً مع الاسف عن مسؤولين بالحكومة والتي تملك مع الاسف عشرات او جيش من المستشارين في كل حقول وفنون العلوم ومعارف الحياة ومع ذلك وصل حالها اليوم واوصلتنا الى الحال الذي تعرفونه وتعيشونه وهو واضح من خلال العنوان والمضمون!

لكننا سوف نتناول الوجه الآخر او الجانب غير المنظور والذي لا يتم تناوله في الكثير مما قيل ويقال عن هذه الازمة التي هي بالاصح مجموعة ازمات تترابط مع بعضها بحيث لا يمكن مثلا معالجة ازمة الكهرباء من غير معالجة ازمة الوقود وهذه لا يمكن حلها الا من خلال معالجة ازمة النفط التي تبدو اشبه بسر او طلسم يصعب فهمة وتفسيره حيث ينخفض برميل النفط الى اقل من سعر الماء ومع ذلك لا يزال يحتفظ لتر البنزين او النفط الابيض بذات سعره عندما كان النفط في ايام عزه وتقديره في الاسواق العالمية.

هذه الازمة بينت الكثير من عيوبنا وأخطائنا افراداً ومؤسسات وحكومة ومنظمات ومستشارين وشركات، واذا كان من الجائز اختصارها بكلمات فاننا نقول انها ازمة تخطيط وسوء توزيع وانعدام عدالة وفساد اذا لم يتم معالجته فان الجميع في خطر، الحكومة والشعب والاقليم. واذا كانت من نقطة ايجابية في ظل هذه الظروف الصعبة التي نعيشها فانها فتحت الابواب والنوافذ بحيث جعلت الحكومة تستمع وتستشير وتطلب معونة كل من يمتلك رأياً او خبرة او مشورة من مختلف المهن والاختصاصات بل وعقدت الكثير من الاجتماعات وعلى مختلف المستويات من اجل تدارك الموقف ومحاولة انقاذ ما يمكن انقاذه.

أزمة تأخير صرف الرواتب صعبة وعسيرة على الجميع خاصة اصحاب الرواتب البسيطة والصغيرة وايا كانت الآلية او الطريقة التي سيتم حلها فالمهم ان يكون هناك موعد ثابت لاستلام الرواتب حتى يُدبر الناس ظروفهم واحوالهم على الحال او الموقف الجديد، وقد مرت على شعبنا ظروف اصعب واقسى وكان الجميع يتقبلون الحال بقبول ورضى لانهم كانوا يعتبرون ذلك جزءا من نضال او شعور بالمسؤولية نحو قيادتهم واحزابهم التي كانوا يعتبرونها الممثل الحقيقي لامانيهم وتطلعاتهم.

اما اليوم، فالجميع يحتاج الى المراجعة والتقييم لمسيرته خصوصاً للفترة من عام 2003 حتى عام 2015 ودراسة الاسباب والظروف التي اوصلتنا الى هذا اليوم الذي تعجز فيه الحكومة عن دفع رواتب موظفيها، وهو استحقاق وحق قانوني لكل موظف وعامل ومتقاعد وصاحب راتب وليس منَة او تفضل من اي حكومة سواء كانت حكومة وطنية او حكومة ثورية او حتى لو كانت حكومة احتلال او استعمار. فالراتب هو راتب في كل مكان وزمان ومن لا يستطيع توفيره وتسديده لاصحابه عليه مراجعة نفسه ومعرفة من هو السبب والمتسبب.

على الحكومة مراجعة عمل وزاراتها وجيوش مستشاريها وموظفيها في وزارة الزراعة مثلاً ولماذا لا تستطيع توفير البيض والدجاج من الانتاج المحلي؟ لماذا ومتى يتم دفع مستحقات الاعوام السابقة للفلاحين عن القمح والشعير الذي سلموه لسايلوهات الحكومة؟ وهم حائرون بين وزارتي الزراعة في الاقليم وبغداد!

تلك امثلة بسيطة على فشل وعدم جدوى العشرات من كليات الزراعة ومراكز البحوث والجمعيات الفلاحية التي لا تستطيع تأمين 5% من احتياجاتنا وتجعلنا مستوردين لكل شيء. حتى اربيل التي كانت مشهورة بلبن هولير اصبح اللبن اليوناني والتركي والايراني محتلا لاسواقنا وموائدنا!

وذات الشيء ينطبق على الكثير من الوزارات والمؤسسات التي تضخمت وتوسعت بما يشبه الورم الخبيث الذي لم يعد هناك من حل له سوى البتر والغاء العديد من الوزارات والمؤسسات والمنظمات والوظائف التي هي مظلات للبطالة المقنعة المنتشرة بشكل مخيف.

نحتاج الى تنفيذ امين وسريع وحاسم لكل ما تم تشريعه من قوانين موجودة ونافذة الآن لكنها غير مُفعلة ومُطبقة لسبب او آخر. نحتاج الى ان ننظر الى الوجه والجانب الآخر للازمة الراهنة باعتباره صافرة انذار في الوقت الضائع من حكم ومراقب عادل هو الشعب للحكومة والاحزاب بضرورة طرد لاعبيها الفاسدين والفاشلين في هذه المباراة والمنافسة التي نتمنى تجاوزها والفوز بها من اجل الحاضر والمستقبل.