البطالة تعمّق الفوارق الاجتماعية في تونس

الإجراءات المرتجلة لم تحلّ الأزمة

توصلت إحصائيات حكومية حديثة إلى أن نسبة البطالة العامة بلغت نحو 15 في المئة العام 2015 لتشمل أكثر من 618 ألف شخص من بينهم 241 ألف من حاملي شهادات جامعية عليا وهو ما يمثل 32 في المئة من عدد العاطلين فيما ترتفع نسبة العاطلين في الجهات المحرومة إلى أكثر من 28 في المئة.

وأظهر مسح حول السكان والتشغيل أعده المعهد التونسي للإحصاء الحكومي أن نسبة البطالة العامة المقدرة بـ15.4 في المئة لا تعكس حقيقة الأوضاع وتخفي خلفها فوارق مجحفة بين الجهات والفئات العمرية والرجال والنساء.

وخلال السنوات الخمس الماضية قاد العاطلون عن العمل العشرات من الاحتجاجات في مختلف جهات البلاد بلغت حد إضرابات الجوع مطالبين الحكومات المتعاقبة بتوفير مواطن الشغل وتحسين مستوى المعيشة المتردي.

بطالة الجامعيين والشباب

بلغت نسبة العاطلين من حملة الشهادات الجامعية خلال العام 2015 نحو 32 في المئة وتشمل أكثر من 241 ألف عاطل في مجتمع كثيرا ما راهن على التعليم لتحقيق الارتقاء الاجتماعي المشروع للشباب.

والخَطِر في تونس أن بطالة حاملي الشهادات العليا التي كانت تشمل اختصاصات غير مشغلة مثل الآداب والعلوم الإنسانية، استفحلت خلال السنوات الخمس الماضية في اختصاصات علمية دقيقة ومشغلة مثل الطب والهندسة وعلوم الفيزياء والكيمياء.

وإزاء ارتفاع نسبة البطالة في صفوفهم وانسداد الآفاق يضطر حملة الشهادات الجامعية العليا إلى العمل في مهن وضيعة لا تليق بمستواهم العلمي حتى أن العديد مهم يعمل نادلا في المقهى أو سائق سيارة أجرة أو بائع خضار.

وقدر معهد الإحصاء نسبة العاطلين من الشباب الدين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و29 سنة بنحو 35.6 في المئة.

وهو ما يؤكد أن البلاد لا تستفيد من ثلث شبابها الناشط في وقت تحتاج فيه إلى طاقاتهم باتجاه إنعاش الاقتصاد المنهك.

وعلى الرغم من أن انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 قامت أساسا احتجاجا على البطالة والتهميش الاجتماعي فإن الحكومات المتعاقبة لم تفتح بجدية ملف البطالة ولم تضبط خطط إستراتيجية لتشغيل الشباب.

واكتفت تلك الحكومات بما فيها الحكومة الحالية بـ"إجراءات مرتجلة" لم ترتق إلى مستوى الحلول الجذرية لمعضلة بطالة الشباب.

تظهر قراءات أن ظاهرة البطالة شهدت خلال السنوات الماضية تحولا خطيرا حيث ارتفعت بطالة الفتيات العام 2015 إلى 22.6 في المئة نتيجة غلق عديد المؤسسات الصناعية المشغلة للنساء وفي مقدمتها قطته المنسوجات.

وتؤكد تلك المؤشرات أن المجتمع التونسي تجتاحه ظاهرة تأنيث البطالة على الرغم من أن دستور البلاد وقوانينها وفي مقدمتها قانون الأحوال الشخصية الصادر العام 1956 تكفل للمرأة حقوقها الاقتصادية والاجتماعية وتنص على حقها في الشغل دود تمييز بينها وبين الرجل.

وقاد ارتفاع نسبة البطالة في صفوف الفتيات إلى ظواهر خطيرة منها الالتحاق بالجماعات الجهادية حيث تحصي السلطات التونسية انضمام 700 جهادية لتنظيم الدولة إضافة إلى الإدمان على المخدرات حيث تصل نسبة الإدمان إلى 30 في المئة وفق إحصائيات الجمعية التونسية لمكافحة المخدرات.

تعد الجهات الداخلية المحرومة الأكثر ارتفاعا في نسب البطالة حيث تصل إلى 28.4 في مناطق الجنوب الغربي المحاذية للحدود مع الجزائر تليها مناطق الجنوب الشرقي المحاذية للحدود مع ليبيا بنسبة 27.4 في المئة ثم مناطق الشمال الغربي بنسبة 21.4 في المئة.

غير أن الخبراء يقولون إن الإحصائيات الحكومية لا تعكس حقيقة أوضاع البطالة في الجهات الداخلية، وهم يشددون عبى أنها أرفع بكثير في بعض المناطق مثل محافظات القصرين وسليانة وسيدي بوزيد.

ويقول الخبراء إن نسبة البطالة العامة التي قدرها معهد الإحصاء بـ15 في المئة تخفي خلفها فوارق اجتماعية خطيرة من خلال مقارنتها بالنسب المرتفعة في الجهات المحرومة التي تصل إلى 60 في المئة.

وتبدو، وفق الإحصائيات الرسمية منخفضة نسبيا في الجهات الساحلية السياحية حيث تبلغ نحو 13 في المئة في محافظة سوسة السياحية، فيما تبلع 17.7 في المئة في تونس العاصمة.

خياران أحلاهما مر

وألقت نسبة البطالة المرتفعة في صفوف الشباب والفتيات وخاصة المنحدرين من الفئات الاجتماعية بضلال سلبية من أخطر ملامحها حالة الإحباط وانسداد الآفاق في ظل الهشاشة الاجتماعية.

ودفع الإحباط بالشباب التونسي إلى خيارين أحلاهما مر إما الالتحاق بالتنظيمات الجهادية وفي مقدمتها تنظيم الدولة في سوريا والعراق أو الهجرة السرية من خلال ركوب قوارب الموت باتجاه السواحل الجنوبية الإيطالية .

وأعلنت السلطات التونسية الأمنية في وقت سابق أنها منعت 20 ألف شاب وفتاة من السفر كانوا يعتزمون الالتحاق بأكثر من 5 آلاف جهادي تونسي يتصدرون قائمة مقاتلي تنظيم الدولة في سوريا والعراق.

وقاد استفحال البطالة إلى الزج بالشباب في عالم الإدمان على المخدرات وذلك إضافة إلى ارتفاع ظاهرة الانتحار وشبكات الجريمة المنظمة.

ووفق بيانات الجمعية التونسية للوقاية من تعاطي المخدرات بلغت نسبة المدمنين على المخدرات في صفوف المراهقين والشباب 57 في المئة ممن تتراوح أعمارهم ما بين 13 و18 سنة.

ويحذر الاتحاد العام التونسي للشغل باستمرار من مخاطر حرمان الشباب من حقه في الشغل مشددا على أن تزايد عدد العاطلين في غياب معالجة جدية لملف البطالة من شأنه أن يعمق الاحتقان الاجتماعي في البلاد.

ويقول عز الدين سعيدان الخبير أن الاقتصاد الذي دخل مرحلة الانكماش ولم تتجاوز نسبة نموه 0.5 في المئة غير قادر على توفير مواطن الشغل.