خصخصة الشركات الحكومية: الخصخصة الذكية لوزارة الاتصالات العراقية

اتحدث هنا عن خصخصة الشركات الحكومية (العامة) واتطرق إلى الخصخصة الذكية لوزارة الإتصالات العراقية كنموذج للوزارات الأخرى، لأني توليت شؤون هذه الوزارة وعملت على وضع معايير الخصخصة الذكية خلال عامي 2006 و2007 ونهاية عام 2010 وعام 2011 وعام 2012.

أدناه دراسة بشأن خصخصة شركات وزارة الإتصالات، وهي الشركة العامة للإتصالات والبريد فضلاً عن الشركة العامة لخدمات الشبكة الدولية للمعلومات. إن هذه الدراسة ليست دراسة نظرية فحسب، بل هي برنامج متكامل قمت أنا بوضع معالمه مع فريق من المسؤولين في وزارة الإتصالات ومستشارين من دول مختلفة من البنك الدولي وشركات إستشارية عالمية وبالذات شركة (Booz & Co.) والتي تم شراؤها عام 2013 من قبل شركة (PWC) العالمية فضلاً عن الكثير من الشركات الخاصة في قطاع الإتصالات وخلال فترة مقاربة لأربع سنوات عندما كنت وزيراً للإتصالات لدورتين في حكومتي المالكي. وفي الحقيقة لم يتم تطبيق هذه الدراسة لتركي للوزارة في وقت مبكر (يمكن إيجاد سبب إستقالتي وتركي للوزارة ضمن موقعي على الرابط mohammedallawi.com فضلاً عن إفتقار الحكومة لسياسة إقتصادية واضحة بهذا الشأن أو بألأحرى لا يفقهون معنى الخصخصة ولا يفقهون تفاصيلها ولا يعرفون كيفية تطبيقها بما يحقق مصلحة الوطن والمواطن. إنهم يعلمون إن تطوير البلد لا يتحقق إلا بالخصصة ولكن لا يعرفون ما هو المطلوب من إجراءات لكي يتطور إقتصاد البلد بالخصخصة، وكيف يمكن تلافي الجوانب السلبية (وهو ما يتعارف عليه بالخصخصة الذكية)، وهذا ما سنتناوله هنا بالتفصيل، إن هذه الدراسة هي خلاصة خمس ورش عمل بين فريق الوزارة وفريق البنك الدولي وكل ورشة عمل كانت تستغرق يومين إلى ثلاثة أيام، فضلاً عن حوالي ثمانية مؤتمرات وعشرات الإجتماعات مع الشركات الإستشارية العالمية وشركات ألإتصالات للقطاع الخاص.

أما النتائج التي تم التوصل إليها من خلال هذه الدراسة فيمكن تلخيصها بالتالي:

1. لرسم سياسة واضحة للخصخصة نحتاج لإستشاريين يمتلكون المعلومات والخبرة العملية من أجل وضع سياسة واضحة المعالم للخصخصة لتلافي الآثار السلبية، لقد تبين لنا من خلال لقائنا بالكثير من المستشارين العالميين للبنك الدولي هو تميز المستشارين من دول أوروبا الشرقية والدول الشرقية كالهند والصين عن المستشارين من دول اوربا الغربية واميركا، حيث إن الصنف الثاني قد نشأ في مجتمعات قامت على أساس الإقتصاد الحر ولم تمر بفترة إنتقالية من الإقتصاد الإشتراكي نحو الإقتصاد الحر كدول أوربا الشرقية او الصين أو الهند، تبين إن الصنف الأول من المستشارين يمتلكون خبرة عميقة وواسعة بشأن الصعوبات والمشاكل التي يمكن الوقوع فيها والآثار السلبية التي يمكن مواجهتها ومن ثم رسم السياسة الملائمة وإقتراح الحلول الأمثل لتلافيها والتغلب عليها.

2. إن سياسة الخصخصة لا يمكن فرضها من قبل الجهات الحكومية العليا من دون أخذ رأي الكادر الوزاري الذين سيتم خصخصة الجهة المنتمين إليها. إن توفير بيئة تفاعلية مع هذا الكادر يعتبر شرطا أساسيا للتحرك بإتجاه الخصخصة، فهذا الكادر قد عمل لعدة سنوات من أجل تطوير شركات الوزارة وإيصالها إلى هذا المستوى، وهذا الكادر يعتبر أحق الناس بهذه الشركات العامة، لذلك يتوجب أن يستوعب هذا الكادر خطط الخصخصة، والفوائد المتحققة للبلد من خلال هذه السياسة، ويجب أن يعطي وجهة نظره، ويجب أن تناقش وجهات النظر تلك للوصول إلى أفضل الحلول. للأسف إن المقترحات الحكومية بشأن الخصخصة لا تأخذ رأي هذا الكادر بشأن عملية الخصخصة ولا تأخذ بنظر الإعتبار مصالح هذا الكادر سواء الباقين في الخدمة أو من سيستغنى عن خدماتهم، وأفضل ما يمكن أن يقترح من قبل الحكومة هو القبول بإلإحالة على التعاقد للمستغنى عن خدماتهم لفترة أقل من الفترة القانونية اللازمة في الحالات الأعتيادية. لذلك إتفقت مع كادر البنك الدولي وشركة ( Booz & Co ) الإستشارية العالمية عمل ورشات العمل لتوضيح معنى الخصخصة وفوائدها للكادر الوزاري وأخذ وجهات نظرهم ومقترحاتهم بنظر الإعتبار ثم الوصول إلى الصيغة المثلى التي تحقق وجهات نظر كافة الفرقاء من أجل تحقيق مصلحة الوطن العامة ومصلحة الكادر العامل ضمن شركات الوزارة.

3. لا يجوز أن يتعرض أي عامل في شركات الوزارة لأي ضرر في عملية الخصخصة، بل على العكس حيث يجب التفكير بشكل جدي ليس بإبقاء الكادر الوزاري في تمتعه بنفس الميزات وإنما بتحسين وضعه وزيادة دخله سواء بالنسبة لمن سيبقى داخل الشركة او من سيحال على التقاعد. إن هذا الأمر سيتم بتخصيص ما يقارب العشرة بالمئة من أسهم الشركة كأسهم للعاملين ولكن هذه الأسهم لا تملك إلا لمن كان موظفاً في الشركة لفترة لا تقل عن عشرة سنوات، كما لا يمكن بيعها لطرف ثالث إلا لمن كان موظفاً لفترة لا تقل عن خمسة عشر عاماً، أما لمن يرغب أن يحال على التقاعد فيمكنه تملك الأسهم والتصرف بها إن كان موظفاً لفترة خمس سنوات أو أكثر. فضلاً عن هذا تخصص عشرة بالمئة من أسهم الشركة كصندوق للموظفين للتقاعد وللإحتياجات الطارئة لأي موظف كحالات الطوارئ أو ككلف الطبابة سواء في العراق او خارجه للموظف ولأقربائه من الدرجة الأولى، لقد نوقش مع الشركات الإستشارية وضع منهج كامل كما هو أعلاه بالنسبة للمشاريع الجديدة ودخول الوزارة كشريك مع القطاع الخاص وذلك بتعيين ذوي العقود المؤقتة فيها حيث يتمتعون بكافة المميزات أعلاه [كمشروع الـ (FTTH) لتقديم خدمة إنترنت متطورة جداً مما هو معروف من قبل الكوادر الوزارية، ولكن للأسف توقفت جميع هذه المشاريع عند تركي للوزارة].

4. إن سياسة الخصخصة لأي شركة لا يمكن فرضها ووضع التعليمات ما لم يتم مناقشة الشركات الخاصة في هذا المجال والتي تبتغي الدخول كشريك، حيث أن هذه البيئة والسياسة التفاعلية تعتبر شرطاً أساسياً لوضع التعليمات اللازمة لتطوير هذا القطاع بما يحقق افضل النتائج بالنسبة للمستثمرين وللمواطن ولقطاع الإتصالات.

5. قبل الخصخصة يجب تطوير أداء الشركة من خلال إعادة هيكلة الشركة وتقليص بعض الأقسام وتوسيع أخرى وإستحداث أقسام جديدة كقسم المبيعات والدعاية وقسم الجودة وقسم الأبحاث وقسم صيانة الأبنية…الخ، إن كل شركة من الشركات التابعة للوزارات المختلفة لها وضعها وظروفها الخاصة فضلاً عن إحتياجاتها الخاصة بها حيث يمكن إستحداث مثل هذه الإحتياجات حسب الأهمية حين إنتقالها من القطاع العام إلى القطاع المختلط أو الخاص، ولكن ألإحتياجات التي تطرقنا إليها أعلاه هو ما يخص وزارة الإتصالات ودراسة الأمر عن كثب مع الشركات الإستشارية العالمية.

6. عندما توليت شؤون وزارة الإتصالات عام 2006 وجدت أن هناك مشروع لتوفير 300 الف خط ارضي، فقمت بزيادة العدد إلى 500 الف خط، وقبل إعلان المناقصة إكتشفت أن التقنية المستخدمة والمعروضة من قبل الوزارة للمشروع هي تقنية قديمة، تقنية (TDM)، في حين إن التقنية الحديثة هي تقنية (NGN)، وعندما سألت رئيس قسم البدالات عن عدم تبنيه للتقنية الحديثة قال لي بنص العبارة "إننا لا نعرف وضع مواصفات التقنية الحديثة". على اثر ذلك قمت بخطوتين، الأولى الإتفاق مع اكبر سبعة شركات في العالم في مجال تصنيع البدالات لعمل دورة للكادر التقني المتقدم في الوزارة لمدة اسبوعين لتمكينهم من وضع مواصفات البدالات ذات التقنية الحديثة، والخطوة الثانية الإتفاق مع جامعتين بريطانيتين من اهم الجامعات في مجال الإتصالات (جامعة Brunel ) و(جامعة Portsmouth ) لتخريج 50 طالبا في السنة من حملة شهادات الماجستير في قطاع الإتصالات لفترة خمس سنوات أي خمس دفعات، وتخرجت دفعتان لمئة طالب من الكادر الوزاري وخارج الوزارة، وتم ايقاف المشروع بعد تركي للوزارة. هذا الواقع يدل على حاجة الشركات العامة لدورات ودراسات عالية في الكثير من التخصصات لتطوير أداء هذه الشركات، وسيكون هذا المنهج جزء من مهام الشركة الإستشارية العالمية لإعادة الهيكلة وتطوير الأداء.

7. كانت الدراسة الأولية لوزارة الأتصالات في الخصخصة هي التحول التدريجي نحو القطاع المختلط فتكون 10% من الأسهم للعاملين في الشركة، و10% كصندوق للتقاعد والإحتياجات الطارئة للعاملين في الوزارة و40% كأسهم بالقيمة الأسمية للمواطنين و20% للشركاء الاستراتيجيين القادرين على إدارة الشركة بكفاءة، وتبقى 20% من الأسهم بيد الوزارة على أن تباع لاحقاً للقطاع الخاص، ويمكن تبني نسب مختلفة ولكنها قريبة للنسب أعلاه بالنسبة للشركات العامة التابعة للوزارات المختلفة. إذا أرادت الحكومة التوجه نحو الخصخصة فيجب عليها الأخذ بهذه المقترحات بنظر الإعتبار لأنه بخلافه فإن الآثار السلبية بإتباع سياسة الخصخصة ستكون آثارها السلبية كبيرة جداً وكارثية على إقتصاد البلد وعلى الوضع العام للبلد وعلى العاملين في مؤسسات الدولة بشكل خاص.

8. في حالة عدم وجود شركاء ستراتيجيين يمكن الإتفاق مع أحد الشركات الإستشارية العالمية في مجال الإدارة وإعطائهم نسبة من الأرباح قبال إدارتهم للشركة. كما يمكن الإتفاق مع شركات عالمية تعمل في نفس القطاع لشراء أسهم الإدارة البالغة 20%.

9. المشكلة التي ستظل قائمة هو إمكانية فساد الإدارة الجديدة، هذا الأمر يتطلب وضع قوانين وتعليمات جديدة وضوابط شديدة مشابهة للقوانين الموجودة في الكثير من الدول المتطورة بشأن الشركات المساهمة الكبيرة المتعارف عليها في الغرب بألـ ( PLC )، وذلك لتلافي حصول أي فساد في عملية الإنتقال تلك، ولضمان درجة عالية من الشفافية يطلب من هذه الشركات بتقديم حساباتها السنوية من قبل شركات محاسبة عالمية لحين توفر شركات المحاسبة العراقية الكفوءة والنزيهة والمعترف بها عالمياً.