مرجعية النجف.. إلغاء خطبتها السياسية

سكوت السيستاني

أثار قرار المرجعية الدينية العليا للسيد السيستاني إلغاء خطبتها السياسية الأسبوعية ردود افعال جماهيرية متنوعة تراوحت بين القلق والألم وصولاً الى الاستنكار. ويحاول كثيرون معرفة الأسباب الحقيقية لذلك القرار وآفاق معانيه، لإعادة تنظيم وترتيب تصديهم للفساد الهائل الذي يعصف بالبلاد، وصولاً الى تهيؤ قسم لتصعيد التصدي بأساليب اعلى..

ويشير مراقبون محايدون الى ان دور المرجعية والاوضاع الطائفية الجارية تعود الى زمان قوى معارضة صدام، ومواجهتها ضغوطا اقليمية هائلة دفاعاً عن نظامه، للخوف من مجيء بديل ديمقراطي على يد المعارضة يقلب الأوضاع في عموم المنطقة، فدأبت على وصف معارضة صدام بكونها معارضة (شيعية ـ كردية) فقط بعيداً عن نضالها الكامل من اجل مجيء بديل ديمقراطي . .

ورتّبت مواقفها و (دعمها) للمعارضة آنذاك على تلك السكّة، ضمن جهود كبرى تسعى الى تحويل صراعات المنطقة الى صراعات دينية طائفية عرقية في محاولتها لرسم "شرق اوسط جديد"، الأمر الذي تجلى بعدئذ في اصرار الأميركيين على محاصصة (سنّة، شيعة، كرد) وتغيير الجنرال غارنر بالسفير بريمر كحاكم مطلق، اثر طرح قوى معارضة صدام بديلها المتمثل بحكم وطني ائتلافي من كلّ قوى معارضة صدام (الديمقراطية ـ الكردية ـ العربية ـ الإسلامية) و اثر اصرار القوى الإسلامية بدعم دوائر ايرانية نافذة على بديل اسلامي شيعي الطابع يتمثل بولاية الفقيه الإيراني .

في وقت لجأت فيه فلول صدام الى الراية الدينية الطائفية (السنيّة) ـ التي كان قد ابتدأها الدكتاتور منذ تشكيله (جيش القدس) والحملة الإيمانية الطائفية ـ، ولجأت الى العمليات الإرهابية الدموية، وفي وقت شكّلت فيه الحرب الخارجية ثم اعلان احتلال البلاد مفاجأة كبرى لأوسع الجماهير، التي سادت اللامبالاة بين صفوفها وهي تعيش حرب قوات اميركية غازية ضد صدام و فلوله و فرق الإرهاب (السنيّ) القادمة من وراء حدودها الجنوبية والغربية.

فيما سعت المرجعية الشيعية العليا للسيد السيستاني، المرجع الأكثر شعبية ونفوذاً في البلاد الى الدفاع عن الوطن وكيانه والدعوة الى النشاط المتنوع لإنهاء الاحتلال والحرب الطائفية التي اشعلها الزرقاوي ومنظمات القاعدة الإرهابية بدعم من الدول الإقليمية وخاصة دول الخليج بتسهيلات من نظام الأسد، وردود افعالها المقابلة، ودعوتها الى تآخي العراقيين بأطيافهم العرقية والدينية، و الى العمل من اجل حكومة وطنية على اساس انتخابات لإنهاء الاحتلال، في وقت كانت الغالبية فيه غير متحمسة للانتخابات و للأحزاب، إثر اعلان الاحتلال.

و يرى قسم بأنه أمام اصرارات متنوعة صمّاء، هددت البلاد بالتمزق والضياع في زمن اندلاع ارهاب القاعدة والزرقاوي، وردود افعالها واقتتال الميليشيات الشيعية فيما بينها، واعتكاف اوساط شعبية واسعة عن المشاركة في الانتخابات سواء بتحريض مرجعيات ادّعت تمثيلها للسنّة، او غيرها دعت المرجعية الى المشاركة في الانتخابات، في وقت دعت فيه مرجعيات السنّة تلك الى مقاطعتها و مهاجمة المشاركين بها ..

حتى صارت دعوة المرجعية، دعوة لانتخاب القائمة الشيعية 169 ـ ثم 555 ـ باعتبارها كانت تشارك بنشاط في الانتخابات، ودعت كل العراقيين الى الإنتخابات والى الوحدة والتآخي وعدم السماح بضياع البلاد، في وقت مثّلت فيه القائمة (الشيعية) تلك احزاباً وتجمعات كفاحية لم يمسها الفساد بعد، كما تغرق غالبيتها الحاكمة الآن فيه، وعلى امل ان تطيع تلك القوى بعدئذ وجهة المرجعية العليا الداعية الى حكم وطني مدني وتفرغ القادة الروحانيين الى الإرشاد وفق الفلسفة التأريخية لحوزة النجف، وليس الى حكم ولاية فقيه.

وتلك الدعوة لانتخاب قائمة 169 ـ ثم 555 ـ آنفة الذكر، يراها كثيرون بأنها كانت بداية الخطأ، لأنها جُيّرت لقيام حكم طائفي وكأن المحاصصة الطائفية تمت باسم المرجعية، خاصة بعد تطبيقات متنوعة الأخطاء والقصد لمقلّدين في تفسير تلك الفتوى، وبعد اتخاذ عديد من سياسيي الكتلة (الشيعية) السيستاني كغطاء لهم، اضافة الى الفساد الذي صار ينخر تلك الكتلة الحاكمة.

ولابد من القول بأن المرجعية نبّهت .. ثم انذرت ووجّهت رجال الدين بعدم الترشيح وممارسة الأدوار السياسية الحاكمة والاعتماد على النصح، ونأت في انتخابات مجالس المحافظات عام 2009 عن السماح بإقحامها بشكل مباشر ومكشوف في العملية الانتخابية، بتصريحها بأنها "تقف على مسافة واحدة من جميع القوائم".

ثم امتنعت عن مقابلة المسؤولين الحاكمين حين اشتدت المعارضة لنهج الحكومة الذي تسبب بتدهور الاوضاع في الولاية الثانية للسيد المالكي، تعبيراً عن احتجاجٍ ضمني ودعوة للتغيير، حتى اسهامها في عدم السماح للمالكي بدورة ثالثة.

واخذ خطباء المرجعية يعلنون موقفها أسبوعياً كل جمعة، منذ الانتخابات التشريعية في آذار 2014، حتى أعربوا في خطبهم الأخيرة عن خيبة الأمل والاستياء من العملية السياسية والوضع الاقتصادي، وتأييدها التظاهرات الشعبية في بغداد والمحافظات الجنوبية الشيعية، وانتقادها الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003، وصولاً الى مراوحة السيد العبادي في قضية الإصلاحات، رغم دعم المرجعية اللامحدود له.

وتشير مصادر محايدة الى ان فهم الجمهور والساسة ووسائل الإعلام لخطبة الجمعة بأنها توجيهات أو أنها طريقة غير مباشرة لممارسة السيستاني ولاية الفقيه في الشأن السياسي العراقي، الأمر المرفوض منه، هو الذي شكّل اساساً لتقليص خطبه السياسية إلا في حالات الضرورة. اضافة الى ان عدم طاعة الحكّام لفتاوى ونصائح المرجعية رغم ماقدّمته لهم وصولاً الى فتوى الجهاد الكفائي، قد يهدد المرجعية بفقدان المصداقية والتأثير.

وفي الوقت الذي تتحرك فيه بنشاط مرجعية ولاية الفقيه الإيراني لتكوين مناخ ومحيط عراقي يتقبّل نظام ولاية الفقيه بغطاء تأييد مايقوم به السيد السيستاني بخطب الجمعة . . يرى قسم ان موقف مرجعيته لايعود الى الخلافات الطائفية بقدر مايعود الى سخطها على الحكومة بسبب المعاناة التي صارت لاتطاق للشعب بسنّته وشيعته وبكل طوائفه وأديانه بسبب الإرهاب و الإفلاس والبطالة، حتى طفح الكيل. ويحمّل قسم آخر مرجعية السيستاني كونها مشاركة فيما يحصل وكان الأجدى بها ان تدعو الجماهير بسنّتها وشيعتها وبقومياتها الى تصعيد احتجاجاتها والانتفاض على الطبقة الحاكمة في كلّ البلاد، لأنه الطريق الوحيد لحل مشاكلها وللانتصار على داعش الإرهابية وعلى الفساد.

فيما ترى اوساط مثقفة وسياسية واجتماعية ودينية متفتحة في موقف المرجعية هذا، موقفاً عقلانياً، لأن الصراع الجاري في البلاد ليس طائفياً ولا قومياً بقدر ماهو صراع اطراف حاكمة فاسدة ناهبة وشعب يعاني الأمرّين من حكم لايبالي بمعاناة اوسع الأوساط الشعبية بسنّتها وشيعتها وبكل اديانها وقومياتها، وكونه موقفاً ليس لصالح الحكومة القائمة ولايتوقع ان تكون له عواقب سلبية على الاحتجاجات الجماهيرية الغاضبة المتصاعدة، لأن المرجعية لن تصمت تماماً.

مهند البراك

كاتب عراقي