موسكو في تناقض تؤجج الصراع في سوريا وتحذر من اتساعه

دعم لا حدود له

موسكو/جنيف - قالت منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا الثلاثاء إن قصف تركيا بالمدفعية الثقيلة لأهداف في سوريا والحديث في أنقرة والسعودية عن عمليات برية يهدد بأن يقود إلى اشتباكات عسكرية مباشرة بين دول المنطقة.

وقال نيكولاي بورديوجا أمين عام المنظمة في بيان "انتشار الصراع الدائر في سوريا بدرجة أكبر في مناطق قريبة من نطاق مسؤولية منظمة معاهدة الأمن الجماعي يشكل خطرا على أمن أعضائها."

والدول الأعضاء في المنظمة هي روسيا وأرمينيا وروسيا البيضاء وقازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان.

وتتبادل روسيا وتركيا اتهامات بشأن التصعيد في سوريا وتختلف أجندة كل منهما، فأنقرة تدعم جماعات سورية معارضة بينها اسلامية متشددة ومصنفة على اللائحة الدولية للمنظمات الارهابية، بينما تدعم موسكو الرئيس السوري بشار الاسد وتطالب الدول الاقليمية والدولية من بينها تركيا المنادية برحيله بأن تنسى هذا الأمر.

ويأتي تحذير المنظمة التي تقودها روسيا على اثر تحذيرات متكررة أطلقتها موسكو على لسنان كبار مسؤوليها من احتمال اندلاع حرب عالمية في حال أي تدخل بري في سوريا.

وكانت السعودية قد عبرت عن استعدادها لإرسال قوات برية خاصة الى سوريا ضمن تحالف دولي تقوده واشنطن يستهدف مواقع الدولة الاسلامية.

ويعتقد محللون ان التحذيرات الروسية المتكررة من اندلاع حر اوسع بين دول المنطقة على خلفية الأزمة السورية، مجرد فزاعة يستخدمها الروس لقطع الطريق على أي عملية برية قد ترجح في مرحلة ما كفة المعارضة التي فقدت السيطرة على العديد من المناطق الاستراتيجية نتيجة تكثيف روسيا لغاراتها على مواقع الفصائل المسلحة المناوئة للأسد في غطاء جوي سمح لقوات الجيش السوري بتحقيق مكاسب ميدانية هامة.

مباحثات دي ميستوار

من جهة أخرى قال متحدث باسم الأمم المتحدة إن المبعوث الأممي الى سوريا ستافان دي ميستورا التقى الثلاثاء بوزير الخارجية السوري وليد المعلم وبحثا وقف العمليات القتالية واستئناف محادثات السلام الشهر الجاري والحاجة إلى وصول المساعدات الإنسانية "دون تعطيل" إلى المناطق المحاصرة من قبل جميع الأطراف.

وأضاف أحمد فوزي أنه من المقرر أن يلتقي دي ميستورا ثانية مع المعلم في دمشق في وقت لاحق لبحث استئناف محادثات السلام المقررة في 25 فبراير/شباط بعد تعليق الجولة الأولى من المحادثات الأسبوع الماضي.

وقال فوزي في إفادة صحفية في جنيف "نشهد تدهورا على الأرض ولا يمكن الانتظار... سبب تعليقه للمحادثات كما تعلمون أن المدن ما زالت تتعرض للقصف والناس ما زالوا يتعرضون للمجاعة على الأرض."

واتفقت القوى العالمية في ميونيخ الأسبوع الماضي على وقف الأعمال القتالية في سوريا للسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلا أن الاتفاق لن يطبق قبل نهاية الأسبوع الحالي ولم توقع عليه أي من الأطراف المتحاربة وسط شكوك قوية حول امكانية تطبيقه فعليا.

وقال فوزي "لا يمكن أن تجبر الناس على الجلوس إلى مائدة المفاوضات لبحث السلام. بالطبع هناك من يؤثرون على الأطراف وهذا هو ما يحاول القيام به (دي ميستورا) إقناع من يؤثرون على الأطراف بالضغط عليهم للمشاركة في المحادثات ووقف هذا الجنون."

وأدان روبرت كولفيل المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الضربات الجوية التي استهدفت مستشفيات ومدارس في شمال سوريا الاثنين، مضيفا "من الواضح أن طائرات سورية وروسية تنشط بشكل كبير في هذه المنطقة وعليها أن تعرف من المسؤول. كان قصف هذه المنشآت متعمدا ومقصودا. يمكن أن يرقى ذلك إلى جريمة حرب. ولكن في هذه المرحلة لسنا في وضع يجعلنا نصدر حكما. في نهاية الأمر المحكمة فقط هي القادرة على الحكم وهناك حاجة لأدلة كافية."

حرب تعددت فيها الجبهات

وتشهد سوريا حربا شاملة تتعدد فيها الجبهات وتزداد، فيما تسجل تدخلات متزايدة لأطراف خارجية في النزاع سعيا لتحقيق اهداف مختلفة.

وتدعم روسيا وايران منذ بدء النزاع في 2011 نظام الرئيس السوري بشار الاسد. وتدريجيا، بدأتا التدخل على الارض بشكل ساهم في تغيير موازين القوى وحسم الكثير من المعارك. وان لم تكن اهداف موسكو وطهران النهائية نفسها، لكن غايتهما واحدة وهي القضاء على المعارضة وحماية النظام.

وبدأت موسكو تدخلها العسكري العلني في النزاع في نهاية سبتمبر/ايلول 2015. وسوريا هي آخر نقطة نفوذ في المنطقة بالنسبة الى روسيا التي ترى في الساحة السورية وسيلة لإثبات وجودها مقابل الولايات المتحدة.

ويشن الطيران الروسي منذ ذلك الوقت غارات مكثفة في مناطق عدة في سوريا لضرب اهداف "ارهابية". وتعتبر دمشق وموسكو كل المعارضة المسلحة للنظام "ارهابية". وعلى الارض، قلّة هي الغارات الروسية التي استهدفت مواقع لجهاديي تنظيم الدولة الاسلامية.

واقر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان روسيا "قلبت المعادلة" وسمحت لنظام دمشق الذي واجه صعوبات في 2015، باستعادة مناطق في غرب وجنوب البلاد وخصوصا شمالها.

واوقع هجوم بدأته قوات النظام بدعم جوي روسي في الاول من فبراير/شباط في منطقة حلب 500 قتيل على الاقل في صفوف المدنيين بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان، ودفع بأكثر من 50 الف شخص الى الحدود مع تركيا التي بقيت مغلقة.

ومكن الهجوم القوات النظامية من السيطرة على قرى ومناطق استراتيجية وتضييق الخناق على الاحياء الشرقية في مدينة حلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

وارسلت طهران الاف "المستشارين العسكريين" الى سوريا. ويقاتل حزب الله اللبناني وميليشيات شيعية عراقية مدعومة من ايران الى جانب قوات النظام.

وترى طهران ان جزءا من معركتها في سوريا هو لمواجهة نفوذ السعودية، خصمها الاقليمي الاول. وحذرت في نهاية الاسبوع الماضي الرياض من ارسال قوات الى سوريا، بعد اعلان انقرة والرياض استعدادهما للمشاركة في عملية برية ضد تنظيم الدولة الاسلامية.

ولم يتغير حلفاء دمشق منذ بدء النزاع، لكن المعسكر المعادي للأسد مفكك. وفاجأت استراتيجية روسيا العسكرية الحاسمة الغربيين الذين يؤيدون الحل السياسي، وادت خصوصا الى رد فعل عنيف من جانب تركيا، وبدرجة اقل من السعودية.

وتطور منذ ايام التصعيد الكلامي بين انقرة وموسكو اللتين تمر علاقتهما في مرحلة توتر شديد منذ اسقاط تركيا طائرة عسكرية روسية كانت تقصف في الاراضي السورية في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2015 بعد اتهامها بخرق المجال الجوي التركي.

وتعارض انقرة نظام الاسد وتدعم مجموعات المعارضة خصوصا الاسلامية في سوريا. لكن تركيا قلقة خصوصا من اتساع نفوذ القوات الكردية في سوريا التي يشتبه في انها تسعى لنيل حكم ذاتي.

وتعتبر انقرة ان وحدات حماية الشعب الكردية، ابرز فصيل كردي مقاتل في سوريا، تابعة لحزب العمال الكردستاني الذي تحاربه على اراضيها.

واستغل الاكراد ضعف قوات المعارضة بعد بدء هجوم الجيش السوري في منطقة حلب للتقدم والاستيلاء على مناطق عدة في ريف حلب الشمالي، الامر الذي اثار سخط انقرة.

وتقصف تركيا منذ ثلاثة ايام مواقع كردية في شمال سوريا رغم دعوات واشنطن وباريس، حليفتي انقرة في حلف شمال الاطلسي، الى وقف القصف.

ومن احد مظاهر تعقيد النزاع السوري ان حليفتي انقرة تدعمان في الوقت نفسه القوات الكردية السورية التي تصنفها تركيا "ارهابية". وتعتبر واشنطن ان الاكراد اثبتوا انهم الاكثر فاعلية في سوريا في قتال تنظيم الدولة الاسلامية.