لماذا تأخرت معركة ألموصل

معركة الموصل واستعادتها من قبضة تنظيم الدولة داعش، هي معركة اميركا الحاسمة والأخيرة في المنطقة. هكذا قالت اميركا قبل ثمانية أشهر وعلى لسان اكثر من مسئول اميركي بارز مثل وزير الدفاع اشتون كارتر وجون ماكين السيناتور الجمهوري رئيس كتلة الجمهوريين في الكونغرس وغيرهم. لماذا تأجلت اكثر من مرة، بعد ان كان المقرر انطلاقها في الشهر التاسع او الثاني عشر من العام الفائت، على اكثر تقدير؟ اسئلة لابد من استحضارها ونحن نشهد المزيد من التدهور والانهيار الامني والسياسي، مع تصاعد خطير في نفوذ الميليشيات وتوسيع دائرة المعارك مع داعش على جبهات عديدة، يقوم بها التنظيم بوقت واحد لاستنزاف وإضعاف الجهد العسكري للجيش والشرطة، وتشتيت القوة العسكرية وإنهاكها، واختراق قواطعها ومواقعها، والاستيلاء على مواقع جديدة، وإعادة السيطرة على حقول النفط والموارد والمواقع الإستراتيجية التي تمكنها من البقاء والديمومة، في ظل طيران دولي روسي وفرنسي وأميركي وعراقي على مدار الساعة لقصف مقرات ومعسكرات وإمدادات داعش دون جدوى.

قبل ان نحلل الاوضاع العسكرية ونتائجها على داعش، لابد من قراءة جديدة لإستراتيجية اوباما الجديدة في كل من العراق وسوريا، والتي بناها على استنتاجات عسكرية على الارض في ألعراق حيث ابعد الحشد الشعبي وميليشياته عن خطوط التماس مع داعش ودخول معركة الانبار، التي نجحت فيها القوات العراقية وطيران التحالف من طرد داعش من مركز محافظة الانبار وسط نيران كثيفة من الاسلحة والصواريخ والقصف ألجوي لم يصمد داعش امامها، واخلى مواقعه، بعد صعوبة كبيرة واجهها الجيش والطيران. وانتهت معركة الانبار باستعادة المواقع الحكومية ومقرات مهمة وإستراتيجية كمقر قيادة العمليات وجامعة الانبار وأحياء غاية في الاهمية كالصوفية والسارية والأطباء وغيرها، ولم يبق إلا هوامش هنا وهناك ليست لها اهمية عسكرية، وسط انهيار معنويات كبير لعناصر داعش، بعد فقدانهم مدينة الرمادي، وتمركزهم في ألموصل لانطلاق معارك اخرى في محيط الموصل، لتشتيت الجهد العسكري العراقي والأميركي وتخفيف الضغط عن معركة الانبار وخسارته فيها، فاستحدث هجوماته الواسعة في محافظة صلاح الدين في وقت واحد على جبال مكحول وحقول عجيل وعلاس وناحية العلم وعلى مركز صلاح الدين، لاستعادة موارد النفط فيها وتعويض خسائره في الانبار، واختلق معركة مع الميليشيات في ديالى لمشاغلة الحشد وتوجيهه الى معركة جانبية والاستفراد بالجيش في الانبار استعدادا لمهاجمتها ثانية في الايام القادمة، في معارك الكر والفر التي يستخدمها لمواجهة الاعداد الهائلة للجيش والحشد العشائري وبعض قوات الحشد الشعبي، فيما تسمى عسكريا بـ"قفزات الضفدع". في هذا الوقت بالذات كثف طيران التحالف الاميركي والغربي قصف للموصل، فأحدث دمارا وخرابا كبيرا في مؤسسات المدينة الرئيسية والتي اعتبرها التحالف الاميركي مقرات لداعش يجب تدميرها، وهذه اكذوبة رخيصة، الهدف منها تدمير البنى التحتية للمدينة، لان تنظيم داعش ليس بهذا الغباء كي يتخذ منها اوكارا لقادته، وسلاحه، فأميركا تعرف جيدا ان تنظيم داعش يعيش تحت الارض بأنفاق طويلة جدا، كشفتها له معارك سنجار وبيجي وغيرها، ولا يمكث في مقراته طويلا. هذا يعرفه الاطفال قبل الكبار ومعرف عنهم شدة الذكاء وابتكار طرق الاختباء والاختفاء والسرية.

لكن الاستراتيجية الاميركية، تستهدف تدمير البنى التحتية وقتل الابرياء من المواطنين في الاسواق والملاعب والعيادات والبيوت الامنة، وهذا ما حصل ويحصل الان في الموصل تحديدا، بعد انتهاء تدمير الفلوجة والرمادي وتكريت واقضيتها ونواحيها، حيث تم تدمير اهم الدوائر الرسمية مثل بناية المحافظة قيد الانجاز والبلدية والزراعة والمصارف والبنوك والصحة ومنشاة الكندي وأبنية رئيسية غاية في الاهمية المعمارية والحضارية، لذلك ولهذا السبب تم تأجيل معركة الموصل، قبل ان تنتهي من التدمير المنظم للمدن العراقية، كي لا تقوم للعراق قائمة بعد الآن.

ان استراتيجية اوباما العسكرية نجحت في التدمير المنظم للإجهاز في الاخر على عناصر داعش وطردهم من ألمدن. ونحن نسأل الم يكن بإمكان اميركا والتحالف الغربي طرد داعش دون اللجوء الى التدمير وتخريب المدن وقتل اهلها؟ الجواب بالتأكيد نعم، ولكنها توغل في ايذاء العراق وتدميره وقتل وتهجير شعبه، لاستكمال مشروعها ألاحتلالي والتدميري مع ايران والذي بدأه المجرم بوش باحتلال العراق وغزوه.

معركة الموصل قادمة وان تأخرت، كما خطط لها ولكن بعد خراب العراق كله، وإدخاله في اتون الحرب الطائفية، والتي بدأت بوادرها في مجزرة ديالى، بعد ان اطلقت يد الميليشيات هناك، في تقاسم واضح لتدمير وإحراق العراق من اقصاه الى اقصاه مع ايران. اذن تقاسم النفوذ والنهج الاميركي –الايراني، بدأ يتضح على شكل تهجير وقتل وقصف مدن واعتقالات وإعدامات وتفجيرات اجرامية للجوامع والبيوت الامنة والمقرات والدوائر الرسمية المهمة.

اعتقد ان معركة الموصل ستكون كارثية على البنى التحتية وأهل المدينة كما حصل في الانبار من تهجير واسع لأهل المدينة، حيث تتوارد الاخبار بقيام طائرات الجيش والتحالف الاميركي بإنزال منشورات على احياء واسعة من شرق المدينة، تطلب منهم اخلاء كامل للبيوت والمنطقة للبدء بعمليات التحرير.

الموصل اكبر من الانبار من حيث عدد النفوس ويقطنها الان اكثر من مليوني نسمة ناهيك عن تهجير ونزوح اكثر من نصف مليون مسيحي ويزيدي وكردي وشيعي وسني وغيرهم، لذلك ستكون معركة الموصل معقدة جدا لكثافة السكان، واتساع رقعة ألمدينة وتشبث تنظيم داعش بها لأنها تعتبر من الاهمية الاستراتيجية القصوى لها كموقع جغرافي يلغي اسم "الدولة الاسلامية في العراق والشام" التي اعلنها البغدادي ذات يوم، وهو حلم تنظيم داعش، وكذلك تعقيد المعركة لوجود انفاق تحت واسعة وطويلة جدا داخل وحول المدينة، يستخدمها التنظيم لمواجهة الجيش والطيران، ناهيك عن تفخيخ الجسور والأبنية الحكومية والأماكن العامة وحتى ألشوارع.

يمتلك داعش قوة استخبارية عالية داخل ألمدينة وأعداد كبيرة جدا من العناصر الانغماسية والانتحاريين الاجانب وهم بالالوف، ما عدا المقاتلين الذي اعدهم التنظيم طوال سنة ونصف من سيطرته على المدينة وانخراط الاطفال والشباب في التنظيم بين الخوف والتهديد والترغيب والتخويف والمصلحة والذين يقدرون بخمسة وعشرين مقاتل، ولهذا تقول ادارة اوباما بان "المعركة حاسمة ومعقدة" في ألموصل وأبقتها اخر المعارك مع داعش. ولكن ومن قراءة الاحداث والمعارك، ان تنظيم داعش لن يسلم الموصل لأميركا إلا ترابا، للأسباب التي ذكرناها سابقا (لانها معقله الاخير والاهم ومقر الخلافة)، ولهذا يتطلب التعامل مع المعركة بدقة عالية، وحرص كبير على ارواح ألمواطنين وفرز الاهداف وفتح الممرات الامنة وتهيئة مستلزمات الخروج الامن للمواطنين والحفاظ على ارواحهم وممتلكاتهم، وان لا تتعامل القوات بطائفية وانتقام وثار على اعتبار ان كل من بقي في الموصل هو اما بايع داعش او رضي بوجوده او تعاطف معه او داعم له، وهذا خطأ قاتل يجب ان لا يقع به احد، كي لا يخسر الحاضنة التي يعول عليها في تحرير المدينة وبدونها سيكون التحرير صعبا وناقصا، بل يستفيد منه تنظيم داعش في افشال مهمة ألتحرير.

نعم معركة الموصل معقدة اكثر مما نتصور، ولكن ليست مستحيلة، ويبقى توقيت البدء بها من اسباب النصر المؤكد، فالمبادأة والمفاجأة هما عنصران إستراتيجيان من عناصر النصر العسكري لأية معركة مع ألعدو. معركة الموصل قريبة وربما لا تعبر الشهر الرابع ألقادم ولكنها صعبة جدا ومصيرية على اهل الموصل، وعلى داعش وعلى اميركا وعلى حكومة العبادي وجيشه، وهذه حتمية الحروب، ان لا فيها رابح فيها سوى الجبان، ومن لا تهمه حياة الناس ومستقبل الأوطان، حفظ الله العراق وأهله والموصل واهلها.