تملك مزرعة سعيدة بدفعة وهم كبيرة

شراء الوهم كتنفيس وهروب

يتلقى مستخدمو فيسبوك ومواقع تواصل أخرى يوميا عشرات الدعوات من أصدقائهم للمشاركة في لعبة المزرعة السعيدة التي انتشرت كثيرا بين مختلف مستويات المستخدمين الاجتماعية والفكرية والعمرية، فمثلما يلعبها الأطفال فإن كبار السن أيضا أصبحوا مدمنين عليها أكثر من الصغار، وللعبة أيضا تطبيقات على أجهزة الكمبيوتر وأجهزة الألواح اللمسية.

واللعبة لمن لا يعرفها عبارة عن محاكاة لزراعة المنتجات، ومن ثم الحصاد، وكذلك بيع وشراء المعدات الزراعية والمواشي والأبقار، يختار فيها اللاعب أرضا ويبدأ بزراعتها وبإمكانه توسيع مزرعته لكي يزيد من الأرض المزروعة، وعلى اللاعب أن يحاول شراء الحيوانات لأن وجودها في المزرعة ضروري جدا، فهي التي تعطيه المنتجات الغذائية كاللبن والحليب والجبن الذي يستطيع بجانب المنتجات الزراعية كالثمار والورود وبيعها أو تبديلها بمعدات وديكورات وأبنية ومعامل وبذار صناعية للمزرعة.

والمزرعة السعيدة من أكثر الألعاب المنتشرة في الوطن العربي، وهي لعبة مسلية وممتعة حسب ما يراه اللاعبون، فمن داخل اللعبة يجب على اللاعب أن يبدأ بتنفيذ المهام التي تكون في شمال الشاشة، وعندما يقوم بالانتهاء من إنجازها، تتاح له إمكانية اللعب بحرية.

في اللعبة يتملك اللاعب مزرعة وأرضا، هذا الوهم بالامتلاك الافتراضي سيطر على عقول اللاعبين من مختلف الأعمار، فحسب أخصائيين اجتماعيين عزوا انتشار ورواج اللعبة إلى أن اللعبة تحقق رغبات اللاعبين ضمن إمكانيات لا يجدونها على أرض الواقع، فيهربون إلى الأملاك الافتراضية ويصل بهم الوهم إلى التفاخر مع أصدقائهم أو شركائهم في اللعبة على الانترنت بما يملكون في المزرعة.

وفي فترة ليست بعيدة صارت أحاديث الأصدقاء الذين يلتقون في الواقع أو يتهاتفون لا تتناول إلا أخبار السعادة في المزرعة فما أن يصادف أحد اللاعبين لاعبا آخر حتى يبادره بالقول: ابعث لي السماد الليلة أرجوك، أو سأبعث إليك بأبقار وبادلني بمعدات لمعمل الحليب، أو أريد بذارا لمحصول الفراولة مثلا وهكذا، حتى يهيء للسامع الذي لا يعرف اللعبة أن الحديث بين مالكي مزرعتين حقيقيتين لأن صيغة الحديث تأخذ كامل الجدية والاهتمام.

وهكذا أصبح أغلب مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الذين يلعبون هذه اللعبة وبالتحديد فيسبوك هم رجال اعمال ومال افتراضيين، ومن مفارقات الافتراض الطريفة والمحزنة بذات الوقت أن هذه اللعبة تنتشر كثيرا في الدول الفقيرة، ففي السودان وغزة مثلا ترتفع أعداد اللاعبين ويرتاد المزرعة الآلاف من المزارعين الافتراضيين الذي يهربون من ضغط الواقع وعوزه وقسوته إلى امتلاك الوهم وزراعته بمحاصيل أمل افتراضي.

وحسب رأي الأخصائيين الاجتماعيين فإن ظاهرة هروب الشباب من الواقع الحقيقي إلى واقع الإنترنت والألعاب الالكترونية المختلفة هو لعدم وجود هدف في حياة الكثير من الشباب وقلة الأماكن التي توظف وتستثمر طاقاتهم وإبداعاتهم بشكل ايجابي، فيلجأ الكثير من الشباب إلى المواقع والألعاب الإلكترونية التي هي البديل الوحيد لديهم، ويستثمرون هذه الطاقات في الزراعة وحلب الأبقار وسماد الارض في رغبة منهم لمحاكاة تحقيق ثروة افتراضية، وإسقاط الوهم على الواقع في محاولة للتنفيس وإنشاء مساحات خاصة لامتلاك المال الافتراضي، وهكذا حسب رأيهم فقد أخذت المزرعة السعيدة من اللاعبين أكثر مما أعطتهم.

فقد أخذت منهم وقتا طويلا، ولم تعطهم إلا الوهم، اشترت منهم جهدا عقليا كبيرا وانشغالا أكبرا وباعتهم الخيال والحلم الهش بالامتلاك، فالتسلية برأي الاخصائيين الاجتماعيين في هذه اللعبة وفي ألعاب أخرى مماثلة تنطوي على إحداث كثير من المشاكل النفسية بما فيها الإدمان والارتباك بين الواقع والافتراض وتقمص حالة الافتراض بحيث تبدو حقيقية جدا، وهذا ما قد يجعل بعض المدمنين يقعون في ورطات واضطرابات نفسية، فقضاء وقت طويل وصرف الجهد من أجل امتلاك معدات وأشجار وغيره قد يصيب اللاعب حسب الأخصائيين بكثير من التوتر والشد العقلي وأحيانا الإحباط الكبير والتشنجات إذا ما تم الأمر على ما يرام، خاصة وان هذه اللعبة بالذات تدر مالا وربحا زراعيا ويتم فيها محاكاة مشروع حقيقي في الحياة فيه احتمالات الربح والخسارة.