مخاوف من تطبيق 'قانون الأسماك' على فئات الدينار العراقي

الكتلة النقدية تنخفض، الناس تشعر بالغلاء

بغداد - بعد إصدار البنك المركزي العراقي لعملة من فئة 50 ألف دينار، بدأت مخاوف الناس تتزايد من انقراض العملة الصغيرة وارتفاع الأسعار مجدداً.

فوجئ محمد محمود وهو يتسلم مرتبه الشهري بوجود فئة جديدة من الأوراق المالية وهي فئة الخمسين ألف دينار عراقي والتي أعلن البنك المركزي العراقي نيته طباعتها في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

محمود صاحب المرتب المرتفع نسبياً يرى في وجود هذه العملة ما يسهل عليه حمل راتبه دون لفت النظر إليه لا سيما وأنه يضطر لقطع مسافة كبيرة مشياً على الأقدام من الدائرة الحكومية التي يعمل فيها وحتى المكان الذي يترك سيارته فيه.

يقول محمود "كنت سابقا أضطر إلى إخفاء المرتب بأكياس سوداء لأن المبلغ الذي أتسلمه كبير نسبيا وبوجود فئات صغيرة كفئة الخمسة آلاف أو العشرة آلاف يكون الأمر خطرا بعض الشيء لأن المارة يتنبهون إلى حملي لمبلغ مالي كبير أثناء خروجي من الدائرة وهو ما يجعلني عرضة للسراق".

لكن ثمة من يرى أن الورقة الجديدة فئة الخمسين ألفا ستضر كثيرا بأوضاعه المعيشية كعلي عبد الستار الذي يعمل بأجور يومية في أمانة العاصمة بغداد.

فالشاب علي الذي يتقاضى يوميا عشرة آلاف دينار عراقي يخصص مبلغ ألف دينار منها للذهاب والإياب من منزله إلى مبنى الأمانة وبالعكس. وهو يخشى أن ترتفع أجرة النقل في الطريق الواحد من خمسمائة دينار إلى ألف، ما يعني مضاعفة المبلغ الذي يخصصه للنقل مع انخفاض متوقع في الأجور اليومية له وفقا لما أقرته الحكومة بتخفيض النفقات العامة لاسيما رواتب وأجور موظفيها بنسبة ثلاثة في المئة.

من الناحية العملية لا يوجد ما يؤكد مخاوف علي لكنه يستشهد بارتفاع أجور النقل من 250 دينارا إلى 500 عندما طبعت الورقة النقدية ذات فئة الخمسة والعشرين ألفا قبل سنوات قليلة.

يقول علي "كان لدينا عملات نقدية من فئات صغيرة وهي عملات معدنية ذات فئات 25 دينارا و 100 دينار ولم تعد موجودة اليوم بالأساس".

اختفاء هذه العملات من التداولات اليومية يعني بصورة مباشرة ارتفاعا في أسعار السلع الرخيصة إلى مستويات أعلى ما يؤثر بدوره على مؤشر التضخم في البلاد والذي ستكون تأثيراته واضحة على ذوي الدخل المتوسط والمحدود بصورة رئيسية.

فالسلعة التي كانت تباع على سبيل المثال بـ250 دينارا قد يرتفع سعرها إلى 500 ما يعني انخفاضا في قيمة الألف دينار الوحدة التقريبية لقياس الأسعار في السوق المحلية إلى نصف الألف دينار ويساوي تقريبا 0.8 دولار أميركي.

بدأ البنك المركزي العراقي بتوزيع كميات صغيرة من العملة الجديدة على بعض دوائر الدولة وبعض المصارف على أن يتم رفع الكمية تدريجيا حتى الوصول إلى الحجم المقرر.

خبراء الاقتصاد وعلى الرغم من أنهم لا يرون ارتباطاً مباشراً بين إصدار الفئات الكبيرة من العملة وبين انخفاض قيمة الفئات الصغيرة إلا أنهم يرجحون تحقق الانخفاض فعليا لما يصفونه بمزاجية السوق العراقية والمستهلك على حد سواء.

يقول الباحث الاقتصادي بسام باسم "السوق العراقية لا تخضع لمعايير نظيراتها في بقية دول العالم فالمعروف أن إصدار الفئات الكبيرة يأتي لخفض حجم الكتلة النقدية لا سيما في التداولات الكبيرة الخاصة بالشركات ورجال الأعمال وغيرها من شرائح".

ويضيف باسم "هنالك مزاجية في السوق المحلية تعود لرغبة المستهلك بالدرجة الأولى في التقليل من قيمة الفئات الصغيرة في حال أصبحت الفئات الكبيرة متداولة بصورة كبيرة وهذا ما يصعب تفسيره في الواقع".

ووفقا للباحث نفسه فإن الحل يتمثل في إبقاء العملات ذات الفئات الكبيرة للتمتع بميزاتها في التعاملات الكبيرة مع استمرار البنك المركزي العراقي في إصدار العملات ذات الفئات الصغيرة لإبقائها حاضرة في التعاملات اليومية وتدعيمها بإجراءات تحد من أي تضخم متوقع في الأسعار.

فوجود ورقة نقدية من فئة 50 ألف دينار أي تعادل ما قيمته 42 دولارا أميركيا سيسهل من التعاملات اليومية في التداولات الكبيرة من خلال إسهامها بشكل كبير في تقليص الكتلة النقدية المتداولة إلى النصف تقريبا باعتبار أن الورقة النقدية الأعلى قيمة سابقا كانت ذات فئة 25 ألفا.

وسيحافظ استمرار إصدار العملات ذات الفئات الصغيرة على قيمة السلع متدنية الأسعار ويمنع ارتفاع أسعارها.

البنك المركزي من جانبه لم يستبعد تأثر السوق المحلية بإصدار العملة الجديدة ذات فئة الخمسين ألفا ولذلك قرر التريث في إصدار العملة ذات فئة المئة ألف دينار التي أقرها سابقا لتفادي حدوث أي تضخم في حين أن الهدف من إصدار فئة الخمسين ألفا كان تقليص حجم العملات المستخدمة في التداولات اليومية والتي أدت بدورها إلى رفع نسبة التضخم وفقا لما أعلنه في وقت سابق محافظ البنك علي العلاق.

بكل الأحوال فإن العملة الجديدة صدرت وبدأت بالانتشار في السوق المحلية تدريجيا كما خطط له البنك المركزي غير أن انتشارها الحذر يعكس الى حد ما المخاوف من خضوع العملات المتداولة الى قانون الأسماك الذي يخشاه أصحاب الدخل المتوسط والمحدود في حال أكلت العملات الكبيرة نظيرتها الصغيرة وحلت محلها في السوق المحلية. (نقاش)