ساركوزي يدعو من الإمارات لوقوف الشرق والغرب ضد التطرف

'الإمارات مبعث أمل للعرب بل للعالم أجمع'

أبوظبي ـ أكد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أن منطقة الشرق الأوسط تشهد تحولات حاسمة وعميقة ستكون لها تداعيات على الجميع، كما تواجه تحديات خطرة مثل الإرهاب والنووي الإيراني والأزمة السورية بالغة التعقيد.

وقال ساركوزي في محاضرة بعنوان "العالم اليوم: حوار مع نيكولا ساركوزي" استضافها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، "صحيح أن الرغبة في نشر الديمقراطية في كلّ مكان أمر مهم، ولكنَّني أرى أن التنوع أهم، فالشرق قويّ بتنوّعه".

وأضاف ساركوزي أن التحدِّي الأساسي يتمثل في المحافظة على تنوُّع الشرق الأوسط، الذي يتهدد خطر إرهاب تمارسه أقلية "تشوه الإسلام"، على حد تعبيره.

واستشهد بمقولة الجنرال شارل ديغول "أذهب إلى الشرق الأوسط المعقد بفكرة بسيطة، وهي ثروة التنوع". وأضاف "أنتم أمام تحدِّيَين: أولهما المواجهة بين السُّنة والشيعة، وهي مصدر قلق بالنسبة إلى أصدقائكم".

وتناول الرئيس الرئيس الفرنسي السابق تحدي الجماعات الإرهابية والمتطرِّفة الذي تواجهه المنطقة. وقال في هذا السياق إن "أغلبية المسلمين يعيشون بإيمانهم في سلام، مقابل أقلية تقوم بـ"تشويه الإسلام"، على حدِّ تعبيره. وأضاف أن الناس يعانون من الإرهاب الذي تمارسه تلك الفئة المتطرفة.

كما تحدث ساركوزي عن إيران بصفتها مصدر قلق للمنطقة والعالم، ورفض بشكل قاطع تسلُّح إيران نوويا.

وقال في هذا الصدد إن "إيران مسلحة نوويا أمر بكل بساطة غير مقبول، وغير قابل للنقاش؛ فامتلاكها السلاح النووي قد يدفع دولا أخرى، مثل تركيا والمملكة العربية السعودية إلى امتلاكه، وسيؤدي هذا إلى انتشار الأسلحة النووية في المنطقة، ولكم أن تتخيلوا كيف سيكون حال المنطقة إن حدث هذا".

كما قال ساركوزي إن الاتفاق النووي مع إيران، الذي تم التوصل إليه ترك الكثير من المساحات الرمادية، وإن صدقيته ستعتمد على مستوى الرقابة، ومدى التزام الإيرانيين، وطالبهم بأن يثبتوا حسن النية من خلال التطبيق الكامل للاتفاق.

وأشار إلى الدور السلبي لإيران في ملفات المنطقة، خاصة البحرين وسوريا واليمن.

أما فيما يتعلق بالأزمة السورية، فقد أكد ساركوزي أنه لا بدَّ من إيجاد حل في أسرع وقت ممكن لأن السوريين ذاقوا الأمرَّين، مشيرا إلى مأساة "مضايا" بصفتها مثلا لذلك.

وأضاف "إن تعقيد الأزمة السورية يتمثل في أنها ملتقى حربين: الأولى بين السُّنة والشيعة، والثانية تتمثل في المواجهة مع القوى الظلامية"، مؤكدا أنه تم تضييع وقت كثير.

وذكر ساركوزي بأنه دعا، في صيف 2012 عندما كان رئيسا لفرنسا، إلى تحرك دولي سريع، حيث كانت أطراف المعارضة السورية المعتدلة آنذاك قوية، ولم يكن "تنظيم الدولة الإسلامية" قد وُجِد بعد.

ورأى ساركوزي أن بشار الأسد عنصر معرقل لأنه مسؤول عن مقتل 250 ألف سوري، وليس في مقدوره أن يبني مستقبل سوريا، ولن تتحقق المصالحة السورية في وجود "هذا الشخص الذي يقتل شعبه، لذا عليه أن يرحل"، كما قال ساركوزي.

ولكنه أكد أن من المهم تنظيم الأطر لرحيله، وضرورة عدم تكرار الخطأ الذي تم في العراق عندما جرى اجتثاث حزب "البعث" بعد إطاحة صدام حسين في العراق. وقال "يجب أن يتم التعامل مع الأفراد الذين عملوا في صلب النظام".

كما دعا ساركوزي إلى التواصل مع روسيا من أجل إيجاد حل سياسي للأزمة. كما أشار إلى أن إيران قد تكون مهتمة أيضا بتحقيق انتقال تدريجي في سوريا.

ومن جهة أخرى، أكد ساركوزي ضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة اليمينة.

وقال إن بدايات محادثات السلام في القضية اليمنية لا بدَّ أن تُكلَّل بالنجاح، لأن المدنيين عانوا كثيرا، واستمرار الفوضى في اليمن تستفيد منه الجماعات الإرهابية كتنظيمي "الدولة الإسلامية" و"القاعدة".

وأكد ساركوزي ضرورة التوحُّد في محاربة الإرهابيين و"الجهاديين" الذين أعلنوا الحرب على المجتمعات الإسلامية، وعلى الغرب، على حدٍّ سواء.

وأشار إلى هجمات باريس الدامية، قائلا "علينا أن ننتصر جميعا في الحرب عليهم، ولا مجال للأيدي المرتعشة، لأن الأمر على المحك، ولا بد من خوض الحرب حتى النهاية". وأكد أنه لا يمكن الفوز في هذه الحرب من دون مشاركة المسلمين أنفسهم.

وأثنى على دور الإمارات في هذا الشأن، قائلا "عرَفت قيادة الإمارات أن أي التباس صغير سيكون له تداعيات".

وأشاد بالائتلاف الإسلامي، الذي أعلنته المملكة العربية السعودية، ويضم 34 بلدا بدعم من الإمارات.

وتحدث عن ضرورة الترجمة الملموسة لهذا التحالف من أجل استئصال تنظيم "الدولة الإسلامية" و"الجهاديين" الآخرين، مؤكدا أنه لا بد من وجود قوات برية على الأرض تواجه المتطرفين، ولكن يجب أن تتكون من دول عربية بدعم من المجتمع الدولي.

وعبر ساركوزي عن قلقه مما يحصل في تونس، وقال "إنني كفرنسي أعتبر استقرار تونس وسوريا وليبيا من أولوياتنا، فانهيار هذه الدول المطلَّة على جنوب البحر الأبيض المتوسط ستكون له عواقب وخيمة على شماله، ففشل الجنوب يُلقي بظلاله على الشمال".

وأكد الرئيس الفرنسي السابق في ختام مداخلته على "ضرورة وقوف الشرق والغرب ضد المتطرفين، والعمل معا من أجل تحقيق الاستقرار، وإيجاد أرضية مشتركة تقوم على تعدد الثقافات، والتعايش السلمي، ونشر التسامح بين مختلف الأطياف والمكوِّنات".

وكان ساركوزي قد استهلَّ محاضرته بتوجيه الشكر إلى مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وإلى مديره العام الدكتور جمال سند السويدي، على دعوته لإلقاء هذه المحاضرة في هذا التوقيت المهم، مشيدا بالدور المرموق الذي يلعبه المركز بصفته مؤسسة علمية وبحثية ذات دور رائد إقليميا وعالميا.

وعبَّر ساركوزي عن تقديره للسويدي الذي يحمل "رؤية قادتكم إلى تحقيق المعادلة بين الانفتاح على الحداثة والمحافظة على الأصالة، في ظل الوفاء لتعاليم الإسلام السمحة". وأضاف "إنه لشرف كبير لي أن أكون ضيفكم؛ فأنا أحب دولتكم منذ زمن وأؤمن بهذا البلد، وهذا ليس كلاما وأقوالا، بل هو وقائع وإثباتات".

وتحدث ساركوزي عن تأسيسه مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة متحف اللوفر وجامعة السوربون في أبوظبي، وعن إقامة قاعدة عسكرية فرنسية في أبوظبي عدَّها عملا رائعا لأنها القاعدة الأولى التي تنشئها فرنسا خارج حدودها الفرنسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقال "اتخذت هذا القرار؛ لأن الخطابات الودية عن العلاقات الاستراتيجية لا تكفي ما لم تكن هناك إثباتات وشواهد عملية حيَّة على ذلك. وقد أثبتت دولة الإمارات العربية المتحدة، في ظل قيادتها الحكيمة، ورؤية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الثاقبة، أنها بلد يمكن إقامة شراكة بنَّاءة ومثمرة معه، وأنها قادرة على تحقيق ما عجزت دول أخرى عن تحقيقه، وهو التوفيق بين الهوية والحداثة، والوفاء للإسلام والانفتاح على ثقافة العالم".

وأكد أن هذا "يمثل رسالة أمل من الإمارات إلى العالم العربي، بل إلى العالم أجمع".