في ذروة دهاء الغنوشي، مرزوق يقع ضحية لطموحه الزائد

من كان يشكّ لحظة في احتمال تحالف 'عدوّي الأمس'؟

لاتزال ردود الافعال الشعبية والرسمية على مؤتمر نداء تونس المنعقد بمدينة سوسة نهاية الاسبوع تثير مواقف متباينة بين المنتقدين والمؤيدين الذين يقفون على خطي نقيض.

وهناك من اعتبر أن ما تمخض عنه المؤتمر الذي عزز موقع نجل الرئيس الباجي قائدالسبسي في المواقع القيادية للحزب خيانة للعهد وللوعود التي قطعها النداء لأنصاره، وبين من اعتبره خيارا مرا ولكن لا مناص منه لمواصلة مسار ديمقراطي هش وانقاذ التجربة الوليدة التي يتطلع اليها العالم وفي طليعته القوى الكبرى التي تراهن على إمكانية وجود اسلام سياسي معتدل قابل وقادر على التعايش مع احزاب مدنية لا سياسية على الطريقة التونسية تكون الرد المطلوب على مختلف التنظيمات الإرهابية والحركات المتطرفة التي تمارس الإرهاب تحت غطاء الدين.

وتأسس نداء تونس قبل سنتين ومهد الطريق للدستوريين لإزاحة النهضة من السلطة، والفوز بالانتخابات التشريعية والرئاسية، وذلك بعد أن نجح في إقناع الناخبين بأن طريقه وطريق النهضة لا يلتقيان ولن يلتقيا أبدا.

وليست المواقف والقراءات المتباينة وحدها هي التي تعكس أهمية وتداعيات مؤتمر نداء تونس على المشهد السياسي في البلاد. ذلك أن قائمة الاستقالات المسجلة في قائمة الندائيين غداة المؤتمر احتجاجا على الوضع داخل الحزب، قد عجلت بتقدم حركة النهضة في مجلس نواب الشعب لتتفوق ولأول مرة على الحزب الاغلبي المتفجر.

وثمة نقطة ثالثة لا يمكن للمراقب ان يتجاوزها تتعلق بالمؤتمر الثاني المنعقد بقصر المؤتمرات بالعاصمة بزعامة محسن مرزوق المستشار السابق للرئيس التونسي، وذلك في نفس الوقت الذي كان مؤتمر سوسة ينهي أشغاله بإعلان تركيبته الجديدة وتعزيز موقع نجل الرئيس (حافظ قائدالسبسي) ومقربيه وهو ما سجل نهاية مرحلة ودخول أخرى لهذا الحزب الذي نجح في الاختبار الانتخابي ولم ينجح في الثبات طويلا لتتكرر معه حسب أغلب الملاحظين ما وقعت فيه الاحزاب التي تحالفت مع النهضة زمن الترويكا وهي التكتل والمؤتمر.

اذ يبدو أن لعنة النهضة ستظل تلاحق النداء خلال المرحلة القادمة .

قد يكون حتى هذه المرحلة من السابق لأوانه قراءة ما سيؤول إليه المشهد في تونس في ظل وجود الشيخين (الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي) اللذين يديران خطوط اللعبة بكثير من الدهاء، ولكن أيضا في ظل حسابات دقيقة لدى كلّ منهما قد ترضي القوى الخارجية حتى قبل القوى الداخلية.

فالرئيس الباجي قائدالسبسي يريد انهاء ولايته وقد حمل لقب الحكيم الذي جمع البورقيبيين والإسلاميين وزعيم حركة النهضة يجد في التحالف مع النداء فرصة تاريخية للتأكيد على أن للإسلام السياسي المعتدل موقع ودور في القرار السياسي، وأنه قابل لأن يكون بديلا بعد تجربة أولى لم تكن موفقة في الحكم لا سيما أمام تفاقم خطر الإسلام المتطرف وانتشار الشبكات الإرهابية من الجوار الليبي الى سوريا والعراق واليمن.

أما بالنسبة لمسألة التوريث (توريث ابنه حافظ) فإن الأكيد أن الباجي قايدالسبسي اكثر من يدرك أنها إضافة لتداعياتها على صورته في الداخل والخارج، فهي رهان خاسر وأن حافظ قائدالسبسي لو خاض انتخابات اليوم لما وجد له لدى الناخب التونسي أي موقع أو وزن يذكر، والأرجح أن الامر يتعلق بضغوطات عائلية ومحاولات استعراض عضلات لم يمنح الرئيس نفسه فرصة للنأي بمشاكلها عنه.

وبالعودة الى مؤتمر سوسة، فقد كان واضحا أن المشهد كان أشبه بمسرحية تفنن المخرج في تقديمها للمتفرج الذي يستعيد معها لقاء الشيخين في باريس، عندما كانت تونس على شفير الهاوية، ولكنه لقاء خرج عن اطار الفندق المعزول الى اطار موسع كان فيه لنساء النداء اطار مختلف وكثير منهن كن يتنافسن على التقاط الصور والسلفي مع زعيم حركة النهضة الذي كان يعد الأخطر على المجتمع التونسي ومحاولات الأسلمة التي جاء بها، بعد عودته من منفاه بلندن، قبل أن يعيد مراجعة الكثير من المواقف والتصريحات.

هل تغيرت النهضة؟

توقيت المؤتمر لم يكن اعتباطيا فهو يأتي بالتزامن مع مرور خمس سنوات على اندلاع شرارة الربيع العربي من تونس التي وبرغم كل التحديات الأمنية والمخاطر الإرهابية وبرغم كل المآسي تبقى الأمل المتبقي بين بقية الدول العربية التي انجرفت الى الصراعات الطائفية والحروب الاهلية وغرقت في الدماء.

المشهد، وان بدا غير مفاجئ للكثيرين، فقد بدا سرياليا كيفما قلبته بالنسبة للحداثيين الذين وجدوا في النداء ملاذا في الانتخابات الرئاسية والتشريعية لتطويق هيمنة النهضة وتفردها بالمشهد السياسي بعد سقوط النظام.

فقد أثار حضور زعيم حركة النهضة وكلمته في المؤتمر الذي كان يعتبر الغنوشي قبل سنتين مؤسسه اكبر خطر على البلاد، أكثر من نقطة استفهام حول تقارب النداء والنهضة وما يمكن ان يخفيه من تحالفات مستقبلية وصفقات حول عديد الملفات العالقة لا سيما ملف الاغتيالات السياسية وتنظيم المساجد ودور الأئمة والجمعيات وغيرها من القضايا المؤجلة.

وسرعان ما وجدت كلمة زعيم حركة النهضة الذي وصف كل من النداء والنهضة بجناحين بهما تحلق تونس عاليا طريقها الى المواقع الاجتماعية لتتحول الى موضوع للتهكم عن التقارب المتسارع بين أعداء الامس حلفاء اليوم.

كل ذلك الى جانب سخاء زعيم حركة النهضة الذي لم يبخل على الحضور النسائي لنداء تونس بالصور والسلفي، في إشارة لا تخفى على مراقب، بأن الحزب الذي نشأ قبل أربعين عاما في السر على خلفية سياسية دينية، يسعى للتأكيد على عدم ارتباطه بتنظيم الاخوان ولكن وهذا الأهم، يسعى الى تأكيد تونسة توجهاته ومزيد الانفتاح والاعتدال بعد التجربة التي مر بها في السلطة.

هدية قدمها النداء لعدو الامس على طبق من ذهب فسارع زعيمها للاتقاطها دون تردد.

وأكد الرئيس الشرفي لحزب "نداء تونس" ورئيس الدولة الذي اختار مواكبة الحدث بالحضور والانتصار لشق ابنه حافظ قائدالسبسي الذي يفتقر للكاريزما والذي لا يعرف له نشاط سياسي في السابق يذكر، عند افتتاحه للمؤتمر الأول للحركة أن الحزب أثبت منذ تأسيسه أنه "ليس فحسب حركة سياسية وطنية سليلة الحركة التونسية في أبعادها الثقافية والفكرية متأصلة في التربة التونسية تأصل شجرة الزيتون في أرض تونس، إنما هو حزب وسطي الموقع ومنفتح على العالم والمنجزات الكونية، وأن الوسطية هي أساس حزب نداء تونس وكل من حاد عنها لا مكان له في هذا الحزب".

ولكن الباجي قائدالسبسي الذي كان يتصدر المشهد والى جانبه ابنه، لم يتردد في استحضار الفكر الإصلاحي البورقيبي ودعوة الندائيين الى وحدة الصف، معتبرا ان "الحركة أردناها منذ البداية مرآة تعكس حقيقة المجتمع التونسي الوسطي، وهذا سر نجاحها وانتشارها السريع والتفاف التونسيين حولها.

واعتبر أن حركة نداء تونس "تستند الى الفكر الإصلاحي التونسي ومرجعيتها الفكر البورقيبي وترتكز على التراث الإنساني العالمي وقيم الحرية والعدالة الاجتماعية، وهي بذلك منفتحة على مختلف التيارات الفكرية والسياسية وتشترك معها في المبادئ السياسية" ولا يبدو نداء الباجي قائدالسبسي هذه المرة أنه بلغ اسماع بعض ممن اشتركوا معه في تأسيس النداء الذي انسلخ جزء منه بقيادة مستشاره السابق محسن مرزوق، والذي تحول خلال اقل من شهر من مرافق له الى منافس على خلفية تفاقم الصراعات والشقوق داخل النداء.

هل وقع مرزوق ضحية لطموحه؟

كان من الواضح عندما دعا السبسي أبناء الحركة إلى تحكيم الضمير والنظر لمستقبل تونس حاثا الجميع على الابتعاد عن كل ما يفرق شملهم ويضعف وحدتهم وإرادتهم وعلى احترام توافقات لجنة الـ13 التي شكلها للخروج من الوضع الحالي حتى يبقى الحزب طلائعيا لتونس المشرقة، أنه كان يتجه بكلامه الى شق محسن مرزوق الذي كان مستشاره ورفيقه في أهم رحلاته الرسمية الى الخارج، وكان منسّق ومدير الحملة الانتخابية التي أوصلته الى السلطة في قرطاج قبل أن تتم دعوته الى رئاسة الحزب وكانت تلك بداية الانفصال.

ذلك أن مهمة مرزوق في البحيرة لم تكن هينة منذ البداية. وقد طفت الصراعات على المشهد لتتحول الى صراع يومي وحرب كلامية ونشر للغسيل القذر على المنابر التلفزيونية.

وجاء مؤتمرا جربة والحمامات للتأكيد على الانفصال القادم. ومع تشكيل لجنة الـ13 وتدخل الرئيس للانتصار لشق نجله، انتهت مهمة النداء الذي ظهر على الساحة قبل أكثر من سنتين. اذ لم يعد بالإمكان أن يكون على رأس النداء زعيمان متناحران وكان لا بد لأحدهما من الانسحاب وهو ما حدث، حيث لم يعد محسن مرزوق مرغوبا فيه.

والحقيقة أن محسن مرزوق رغم ما يتمتع به من خصال ومن قدرة على البلاغة وعلى الإقناع على عكس حافظ قايدالسبسي فإن له جزء من المسؤولية في النهاية التي وصل اليها حزب نداء تونس.

وهو الذي تعجل على ما يبدو الصعود وبدل أن يؤسس لطموحه خطوة خطوة وهو الذي يخوض السياسة ممارسة وليس معارضة حديثا، أراد حرق المراحل ويبدو أنه رفض أن يتولى منصب وزير الخارجية وكان بإمكانه ان يكتسب خبرة دبلوماسية إضافية وهو الذي لا يزال في عقده الخامس وبإمكانه الاستعداد للانتخابات القادمة بزاد أوفر وتجربة أعمق.

ربما لم يختر مرزوق النتيجة التي وصل اليها اليوم وربما يكون وقع في الاستفزاز ولم ينتبه الى ذلك فانجرف الى الفخ ومن هنا أهمية التجربة السياسية الواعية التي تفرض على صاحبها الانتباه الى كل ما يمكن أن يحاك ضده .

وقد يكون محسن مرزوق غلبه طموحه وبدل أن يساير هذا الطموح ويتحكم فيه، تحول الى ضحية له، والطموح أمر مطلوب ودونه لا يمكن التقدم، ولكن عندما يتحول الطموح الى غرور يصبح قاتلا.

فقد دخل مرزوق اللعبة دون ترو على الأرجح وكان عليه الانتباه الى ما حدث داخل الحزب من صراعات تحولت الى مواجهات عنيفة بين أعضاء وأنصار الحزب الواحد، وهو ما يحمله جزءا من المسؤولية في الفشل في إدارة الحزب وانقاذ المركبة من الغرق.

فمرزوق بدوره أغرته السلطة أو هذا ما يبدو على الأقل من خلال ما أسر به لبعض مقربيه. فقد كان يعتقد أنه بحلول سبتمبر/أيلول سيتولى رئاسة الحكومة ويكون الأول في المشهد، ولكنه بدلا من ذلك وجد نفسه خارج الحزب وخارج الحكومة.

واليوم، يتعين عليه التأني والتريث وإعادة قراءة المشهد بحكمة بعيدا عن كل الحسابات الضيقة والاستعداد لتحديد الهدف التي يسعى للوصول اليه من خلال إعلان النداء الجديد وتحديد رؤيته المستقبلية فهو محسوب على اليسار، ولا يمكنه أن يحظى بدعم الدساترة حتى وان جعل من بورقيبة والبورقيبية عنوانا له.

سيستمر المخاض في المشهد السياسي التونسي طويلا والمبارزة ستتواصل والأكيد ان في صدور التقرير البريطاني عن الاخوان سيدفع النهضة الى البحث عن الاستفادة من كل الثغرات والأخطاء التي تعترض خصومها لتفرض نفسها على المشهد.

والامر لن يكون صعبا في ظل التفكك والانهيار والإفلاس الحاصل في صفوف الأحزاب المتناحرة على الساحة.