ركائز النقد الرقمي في أطروحة دكتوراه

المفهوم والماهية

بعد مناقشة رسالة الدكتوراة للباحث محمد هندي بكلية آداب جامعة سوهاج، يمكن النظر إلى الخبر نظرة محايدة وربما غير لافتة، لولا أن موضوع الرسالة التي نالت درجة الإمتياز مع التوصية بتبادلها مع الجامعات الأخرى، كما أن موضوع الرسالة: "الواقعية الإفتراضية في الرواية العربية في الفترة من 2001 حتى 2013"، لولا ذلك ما نالت الإهتمام بالأوساط الثقافية، حيث تقع في حوالي 400 صفحة، مشتملة المتن والهوامش والملاحق مع المصادر والمراجع.

مطالعة تلك الدراسة الأكاديمية تشي بمولد النقد الأكاديمي للإبداع الجمالي ضمن معطيات التقنية الرقمية "جنس الرواية والقصة تحديدا".

وقد لاحظ الباحث أنه منذ عام 2001 حيث بدايات القرن الميلادي الجديد، أن ارتبط بطفرة لافتة في توظيف التقنية الرقمية مع الخاصة والعامة، حتى شاع مع الإبداع وتشكلت بعض الأعمال السردية بالخصائص الرقمية الجديدة، وحتى عام 2013، حيث السنة التي قرر الباحث التوقف معها للفحص والتأمل.

وقبل الولوج إلى متن تلك الدراسة البحثية الهامة، يلاحظ القارىء أن الباحث، لم يغفل كل المجهودات البحثية والدراسات التي تناولت موضوع بحثه، وبذلك اطلع على جملة ما تم إنجازه عربيا وغير العربي.

ويمكن الإشارة إلى أسماء بعض من أشار إليهم في بحثه: د. محمد أسليم - د. فاطمة البريكي - د. زهور كرام - د. سعيد يقطين - د. شاكر عبدالحميد والسيد نجم، وغيرهم، بالإضافة إلى أعمال المبدعين محمد سناحلة وكلثوم زنينه، وعدد غير قليل غيرهم.

بداية يمكن الإشارة إلى أهمية تلك الرسالة، بناء على مشروعية مقولتين، أولهما: أن الإبداع يسبق التنظير دائما، حيث تلاحظ ظهور الإبداع الرقمي وتأثير التقنية الرقمية على الإبداع والرواية قبلا، وجاء وقت التقنين النقدي. وثانيا: أن المنجز الإنساني لا يأتي إلا من حاجة، وحان ميعاد النقد الرقمي لحاجة ثقافية إليه.

• الواقعية الافتراضية: المفهوم والماهية

لكلِّ عصر منجزاته وحضارته الخاصة التي تختلف باختلاف الأزمنة، يقول نبيل علي: "الفن باعث على الحياة، والحياة مجددة للفن". والدليل على صلة الفنون بالحياة أنَّنا لم نعشْ فترة العصر الجاهلي، ولم نعاصر أحداثه، لكن في ضوء إبداعه المقدَّم يمكن رسم صورة للحياة التي عاشها البدوي.

ومع التقدم التكنولوجي في العصر الحديث وتغّير المفاهيم، كان لزاما على الإبداع مواكبة هذا التقدم في أشكال تعبيرية تناسبه، "فنحن نعيش الآن - كما يقول شاكر عبدالحميد - في عالم ما بعد الواقع، عالم الفضاء التكنولوجي، والواقع الإفتراضي، والفضاء اللانهائي، الذي يتحكم فيه الكمبيوتر والإنترنت والتكنولوجيا الافتراضية، ومن ثمَّ لا مجال لفنان عصر التكنولوجيا الحديثة، والبرمجيات الذكية، والعوالم الافتراضية أن ينغلق ويعتكف في برجه، ليتمسك بنفس تقنياته، وأشكال تعبيره، غير مهتمِّ بما يَجِدُّ ويتجددُ حوله ومن هنا ظهرت علاقة جديدة بين الإبداع والتكنولوجيا، ما أُطلِق عليه "الأدب الافتراضي".

ويُعدُّ الحاسوب المتصل بالإنترنت من بين أشكال التكنولوجيا الرقمية، ووجد في فضاء الإنترنت ساحة رحبة، وعالم من الأحلام الذي حَلم بالتحليق فيه بحرية دون أيّة قيود، فهو عالم وصفه جون بيري بارلو – أحد مؤسسي الحدود الإلكترونية – قائلا بأنَّنا ننشئ عالما قد يدخله الجميع دون تمييز أو تفضيل بسبب العِرق أو القوة الاقتصادية، أو القوة العسكرية، أو محل الميلاد، مكانا يستطيع أي شخص في أي مكان أن يعبر عن معتقداته/ها، ولا يهمّ أهو/هي أعزب/ عزباء، دون إرغامه/ها على الصمت والخضوع.

وهو عالم يمزج بين الإنسان والإنترنت، هذا العالم عُرِفَ بالعالم الافتراضي، أمّا من يسكنه فهو إنسان من جنسه، كائن جديد أُطلِق عليه "الإنسان الافتراضي"، إنسان أشبه ما يكون بالبرنامج الإلكتروني.. بتعبير عبدالرحيم الكردي: "أصبح الإنسان يتعامل مع واقع معلق في الهواء، بلا هوية أو حضور مادي، بل إفتراضي".

وكان نتيجة ذلك أن ظهرت واقعية جديدة تصوّر حياة هذا الإنسان الافتراضي، الذي بدأ في التَشَكُّل والظهور، وقد استمدَّت مشروعية وجودها من عنصرين رئيسين؛ أحدهما يتعلق بكائن مادي تحوّل إلى كائن رقمي إفتراضي، والآخر يتعلق بالبيئة التقنية الإفتراضية التي شكّلتها شبكة الإتصالات (الإنترنت)، لنكون أمام واقعية إفتراضية تمزج بين الإنسان والتكنولوجيا الرقمية ممثلة في صورة (الإنترنت)، وهو ما أكّده محمد سناجلة: "وبدخول الإنترنت والهواتف المحمولة التغتْ المسافة، وتقارب الزمن، حتى كاد أن يصبح واحدا، فلا زمان ولا مكان قادر على أن يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، حتى أمسى العالم كله ليس قرية صغيرة كما كان شائعا في العصر التكنولوجي، بل أصغر من حجرة صغيرة في بيت، أصبح العالم شاشة، مجرد شاشة زرقاء".

إن لفظة إفتراضي، ذات دلالات كثيرة، مثل: الوهم – الخيال - الإحتمال...إلخ، وهذه معانٍ موجودة في الإبداع منذ زمن، واليوم مع تطور الزمن وظهور التكنولوجيا، أصبحت مفردة "الافتراضي" بمدلولها الجديد أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا الرقمية في اللغة العربية، وفي اللغات الأجنبية.

ومن هنا التقى الواقع بالإفتراض من خلال ما قدمته التكنولوجيا الرقمية، لتظهر فكرة الواقع الافتراضي، وهذا ما قد يستغربه كثيرون، ويتساءلون، هل يمكن للواقع الفعلي أن يلتقي أو يجتمع بالإفتراض في مصطلح واحد، بخاصة إذا كان مفهوم الإفتراضي عندهم يدور في دائرة المحتمل والمتخيّل، ومن ثمّ غير الواقعي؟ لكنّ الحقيقة هى أن الافتراضي هنا هو ما يدور خارج الواقع، أى ليس عكس الواقع.

وهذا ما أكده شاكر عبدالحميد في قوله: "ومن المفاهيم الخاطئة حول مصطلح "افتراضي" الإعتقاد بأنَّه يتضمن الإشارة إلى شيء غير واقعي، أو أنَّه يشير إلى شيء يوجد عند مستوى متخيّل فقط".

ويمكن فهم الواقع الإفتراضي على أنه إعادة إنتاج لواقع محسوس وتقديمه في صورة جديدة بواسطة المستخدم عن طريق استخدام أدوات إلكترونية تسهم في فهم الواقع المادي بأبعاده المختلفة، ومن ثمّ فإنّ المذهب الذي يتعلق به سمِّي بالواقعية الافتراضية. فقد أصبح الواقع الإفتراضي مصطلحا شائعا في الدراسات التي تهتم بالثقافة الرقمية، وأصبح له حضور قوي في الدراسات النقدية والإعلامية.

وعلى الرغم من أنَّ الواقع الإفتراضي ليس واقعا بالمعنى الحرفي للكلمة، فإنَّه ينتج تأثيرات واقعية على مستخدميه، إنفعالات وصيحات وفرح وحزن ..إلخ، حيث تذهب إلى متاحف وتشاهد أعمالا فنية وعروضا مسرحية وسينمائية على الشبكة العنكبوتية، وتتحدث مع أناس وتتفاعل معهم، تضحك معهم، وتحبهم، وتكرههم، وكأنك تشاهدهم في الواقع العادي، وكل هذا يسمى بـ "الواقع الافتراضي" فهو واقع بديل، تحقق من خلال تفاعل الإنسان مع الآلة، وهو واقع يعزل الإنسان عن واقعه كما في حالات إدمان الإنترنت وألعاب الفيديو.

وترى كلثوم زنينه أنَّه من المجحف القول بأنَّ الفضاء الإفتراضي - والحديث عن الواقع الإفتراضي - ليس إلا وهما، وأنَّه وطن بلا تاريخ ولا جغرافيا ولا تراث؛ لأنَّه محدود، لكنه في الحقيقة مثقّل بكل ما نضخ به الواقع.

ولمَّا ازداد أثرُ الواقع الإفتراضي في حياتنا يوما بعد يوم، وظهر أثره في الأدب الروائي، كان لزاما على النقد الوقوف على أعتاب هذه العلاقة، ودراستها من منظور فني جمالي، في محاولة تبيّنِ جوانبها، وأثرها في فكر هذا الإنسان الذي تحوّل إلى كينونة جديدة.

وبالواقع العربي، نجد الأديب الأردني، محمد سناجلة يقول بمصطلح "رواية الواقعية الرقمية"، والدراسة ترى أنَّه لا فرق بين هذا المصطلح خاصة فيما يتعلق بالمضمون، وبين الواقعية الإفتراضية عند من ناقشها قبل سناجلة.

ويمكن القول إنَّ الجديد الذي قدّمه سناجلة يكمن في الخصوصية الفنية والأدبية للمصطلح، وصبغه بصبغة روائية على مستوى الشكل والمضمون، ومن هنا حدّد روايته قائلا: رواية الواقعية الرقمية هي تلك الكتابة التي تستخدم الأشكال الجديدة التي أنتجها العصر الرقمي، وبالذات تقنية النص المترابط (هيبرتكست)، ومؤثرات المالتي ميديا المختلفة من صورة وصوت وحركة وفن الجرافيك والأنيميشنز المختلفة، وتُدخلها ضمن بنية الفعل الكتابي الإبداعي، لتعبر عن العصر الرقمي والمجتمع الذي أنتجه هذا العصر، وإنسان هذا العصر، الإنسان الرقمي الافتراضي الذي يعيش ضمن المجتمع الرقمي الافتراضي. وهي أيضا تلك الكتابة التي تعبر عن التحولات التي ترافق الإنسان بانتقاله من كينونته الأولى كإنسان واقعي إلى كينونته الجديدة كإنسان رقمي إفتراضي. وهذا ما أعطى خصوصية فنية للواقعية عند سناجلة. والدراسة ترى أنَّ الافتراضي أعمُّ من الرقمي.

• خلاصة القول:

هناك مصطلحات عدّة أطلقت على الواقعية الجديدة المقدمة عبر الوسيط التكنولوجي، وهي: (الإفتراضية، والتفاعلية، والرقمية، والإكترونية)، لكنّ مصطلح الواقع الإفتراضي أكثر شيوعًا من غيره وأكثر فنية ودلالة على ماهية الإبداع الذي يعتمد في أساسة على التخيّل والتصوّر المجسم في أيقونات تظهر على شاشة الحاسوب.

• الحاسوب باعتباره وسيطا في الرواية العربية

بالنظر إلى الكتابات النقدية التي اهتمّت برصد العلاقة التي قامت بين الأدب والمعطى التكنولوجي (الإنترنت) يلاحظ أنَّها تباينت حول دوافع المبدعين وأهدافهم من خلال الاتصال بالإنترنت، فهناك من رأى في الاتصال ضرورة حتمية وتاريخية لا بُد منها، وأنّ المبدع عليه مواكبة منجزات عصره.

لذلك تساءل سعيد يقطين: "لقد أوجد الفضاء الشبكي والنص المترابط مناخًا معرفيًا جديدًا وبنية جديدة، لتحصيل المعارف واكتسابها، فهل يجوز بعد هذا انتهاج الطرائق القديمة في التعامل مع هذه المعارف الإنسانية المتدفقة باطراد؟ ألا يتطلب هذا المناخ الجديد من الكتاب أيّا كان اختصاصهم من الإبداع الأدبي والفني إلى البحث العلمي والأكاديمي أن يتلاءموا بدورهم مع ما تحقق، فيفكروا في إنتهاج أساليب جديدة في الكتابة تراعي واقع هذه التحولات وممكنها".

أمّا عن الفريق الأخير من الدراسات، فقد رأى في عملية الإتصال نوعا من التجريب، وطرْق أشكال تعبيرية لم تكن مطروقة من قبل. ما قال به السيد نجم: أنها عملية اتصال ونوع من التجريب". إلى جانب رغبة المبدع في إعادة علاقته بمتلقي عمله وصبغها صبغة جديدة، تعتمد على التفاعلية والمشاركة المباشرة.

وبناءً على ما سبق فقد رأى المبدعون العرب في هذا الواقع الجديد ساحة تعبيرية جديدة؛ رغبة منهم في التعبير عن الذات في شقيّها الفردي والجمعي، ورغبة في إيجاد الحلول لكثير من القضايا العصرية، والتي على رأسها علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، تلك التي تحولت إلى نوع من الافتراضية، مما أدّى إلى ظهور أشكال تعبيرية تصوِّر رؤيتهم لهذا الواقع، فجاء الإبداع الروائي العربي الذي تمثّل روح الواقعية الافتراضية في ثوبين:

أولا: الرواية الورقية (الافتراضية) التي عملت على محاكاة هذه العلاقة وتصويرها؛ محاولة الإفادة من الفضاء الجديد طبقا لإمكاناتها.

ثانيا : الرواية الرقمية التفاعلية (الإنترنتية).

لقد ظهرت مجموعة من الروايات الورقية ما صوّرت العالم الإفتراضي الجديد بتقنياته المختلفة، ورصدت العلاقة التي نشأت بين الإنسان وهذا الواقع، فهي من جانب ورقية، ومن جانب آخر إفتراضية؛ لأنَّها صوّرت الشخصيات بتجاربها المتنوعة في واقع إفتراضي لم يكن مألوفًا من قبل، منها: "بنات الرياض (2005) لرجاء الصانع، و"أبناء الديمقراطية (2006) لياسر شعبانَ، و"لعنة ماركيز (2007)، لضياء جبيلي، و"حرية دوت كوم" (2008)، لأشرف نصر، و"في كل أسبوع يوم جمعة (2009)، لإبراهيم عبدالمجيد"، و"حبيبي أون لاين (2009)، لأحمد كفافي، و"فتاة الحلوى (2010)، لمحمد توفيق، و"إيموز (2010) لإسلام مصباح، و"المصائر" (2011)، لياسر شعبان، و"أوجاع ابن آوي" (2011) لأحمد مجدي همام، و"إيميلات تالي الليل (2011)، نص مشترك لإبراهيم جاد، وكلشان البياتي.. و غيرها.

هناك نماذج اهتمَّت بفضاء الواقع الإفتراضي في نسيجها السردي، من خلال تصفحها والإطّلاع عليها، هذا التوظيف تمثّل في جانبين؛ أحدهما توظيف ثانوي على مستوى الشكل والمضمون، لكنّه لم يكن الموضوع الأبرز في الرواية.

أمّا الجانب الآخر، فتوظيف كلي على مستوى الموضوع، مع إغفال الشكل التقني، حيث اهتمَّ هذا التوظيف بتقديم موضوع الإنترنت وعلاقته بالشخصيات في صورة سرد تقريري تقليدي عن طريق الراوي العليم أو الذاتي، أي أنَّ الموضوع إفتراضي والشخصيات إفتراضية، لكنّ شكل الرواية لا يختلف كثيرا عن الصورة التقليدية: "شرف الله" لفتحي إمبابي، و"يا عزيز عيني" لحسام فخر، و"الغضب الضائع" لمازن العقاد، و"إمبراطورية المساخيط الفيساوية"، لمحمود طهطاوي، و"أجنحة الفراشة" لمحمد سلماوي"، و"فتاة سيئة" لشهد الغلاوين، و"طوق الطهارة"، لحسن علوان، و"طبول الحب".. وغيرها.

في المقابل كانت الرواية الرقمية التفاعلية التي لا تزال محل نقاش على الساحة النقدية، حيث اتّخذ المبدعون - الذين يمكن وصفهم بالمصمّمين - من بيئة الحاسوب والإنترنت مجالا للتصميم والتشكيل، فأصبح القرّاء أمام أشكال لا عهد لهم بها من قبل، أشكال تتماشى مع طبيعة التقنية الجديدة، ولا يمكن قراءتها إلا من خلال (الحاسوب المتصل بالإنترنت)، وهي أشكال قصصية؛ لأنَّها اعتمدت في نسيج تصميمها على عناصر السرد القصصي، وعلى رأسها الكلمة، لكنها لم تكتفِ بها بل أضافت إليها عناصر ومؤثرات أخرى تناسب وسيطها الجديد، من هذه النماذج التي تُعدُّ من البواكير الأولى للإبداع العربي في صورته الرقمية:

رواية "ظلال الواحد"، و"شات"، و"صقيع،" لمحمد سناجله، و"ربع مخيفة"، لأحمد خالد توفيق، و"على قد لحافك"، للمدونين: بياست وجيفارا وسولو، و"الكنبة الحمرا" لبلال حسني، و"على بعد مليمتر واحد فقط " لعبدالواحد أستيتو.

ومن خلال هذين الشكليْنِ (الورقي والرقمي التفاعلي)، استطاعت الرواية العربية أنّ تلج الفضاء الإفتراضي؛ محاولة تصويره والتعبير عنه، خاصة بعد أن أصبح جزءًا أساسيًا من حياتنا المعاصرة، وهذا ما توضحه الدراسة - تفصيليا- من خلال العينة التي اختارها الباحث كنموذج للقراءة والتحليل.

• الخاتمة:

شملت الدراسة بيان أثر الإفتراض في عتبات النص، والبنية والتقنيات السردية، ثم علاقة الواقعية الافتراضية بالرواية الرقمية التفاعلية، ودراسة التقنيات السردية التقليدية، والتجديدية التي استوحتها من الفضاء الرقمي، مثل: المؤثرات الصوتية، والحركية، والبصرية، إلى جانب بيان علاقتها بالمتلقي على المستوى القرائي والإنتاجي.

• توصيات:

أولا: أنّ الواقع الافتراضي التقني (الحاسوب المتصل بالإنترنت) وتفاعل الإنسان معه، أفرز حياة جديدة، لها واقعيتها وسماتها الخاصة، دُرست تحت مصطلح الواقعية الافتراضية التي تهتم بوضع تصّورٍ للإنسان في أثناء تفاعله مع الآلة.

ثانيا: تمثلت الواقعية الإفتراضية في الإبداع الروائي في صورتيْنِ؛ الرواية الورقية (الافتراضية) التي حاولت الإفادة من معطيات الفضاء الإفتراضي في نسيجها على مستوى الموضوع والشكل.

أمّا الصورة الأخرى، فتمثلت في الرواية الرقمية التفاعلية التي صاحبت ظهور الوسيط الرقمي، وأنَّ معظم الإنتاج الذي حاول تصوير الواقعية الافتراضية ورقيا، والروايات الرقمية كانت محدودة. وهو ما يؤكد أنّ الوسيط الورقي لا يزال يُشَكِّل أهميته الوسائطية، وأن ظهور وسيط جديد لا يلغي ما سبقه من وسائط.

ثالثا: أن المبدعين الذين حاولوا الاقتراب من الوسيط الإنترنتي، ومحاكاته ورقيا، قد تباينوا في تصوير الواقعية الافتراضية، حاول بعضهم الاقتراب من واقع التقنية الشكلي. وحاول البعض محاكاته في صورة لا تختلف كثيرا عن صورة رواية ما قبل الإنترنت، مع إختلاف في طريقة السرد، مثل: تقنية البريد الإلكتروني والمدونات.

رابعا: أوجدت الواقعية الافتراضية من حيث علاقتها بالرواية الورقية تجديدا بنيويا في نسيج النص السردي، فقد أتاحت للمضمون الروائي حرية تعبيرية غير معتادة بعيدة عن سلطة الرقيب سواء الفني أو الأخلاقي، وهذا ما أعطى المضمون خصوصية تتفق مع عالمه الافتراضي المنفتح، والذي يجعل من الصعب تحديد الرواية في معنى واحد، ومن خلال هذا المضمون يمكن القول:

إنّ الواقعية الافتراضية تعدُّ امتدادا - على مستوى الموضوع - لمذهب الواقعية باتجاهاته المتعددة في مرحلة ما قبل الإنترنت، إضافة إلى تنوع الأساليب السردية، مثل: سرد الشات، والمدونات، والتفاعل الإنترنتي، وتقديم التقنيات السردية التقليدية في دلالات جديدة، مثل: الشخصيات الافتراضية، والمكان الافتراضي، واستعارة معجم الحاسوب والإنترنت على المستوى اللغوي.

خامسا: أنّ الروايات الرقمية التفاعلية على الصعيد العربي لا تزال في مرحلة التجريب، كما أنّها اعتمدت بصورة كبيرة على الكلمة السردية، مقارنة بالوسائط التقنية الأخرى، مثل: الرابط أو الهيبرلينك، والصوت والصورة، والحركة، واللون، والتي وُظفت بطريقة تلائم السياق الدلالي للكلمة السردية، وهذا ما جعلها تقترب في كثير من الأحيان من الروايات الورقية، في صورة يمكن طباعتها؛ لأنَّ الورق لا يزال يشكل حتمية وجودية بالنسبة للعقلية العربية، كما أنَّ معرفتنا بالإنترنت لم تصل إلى ذروتها بعد. فالمبدعون تعاملوا مع الإنترنت في صورة وسيط تقني يمكن استغلاله خاصة في عملية النشر، وفي صورة حياة بديلة للواقع الذي يعيشون فيه.

سادسا: أنّ الرواية الرقمية التفاعلية تُمثّل طرحًا جديدًا للواقعية الافتراضية على مستوى التلقي؛ حيث إنها أعلت من شأن المتلقي الذي تحوّل هو الآخر إلى إفتراضي، وأنّ التفاعلية أمر يتوقف على إجرائه وإختياره لنص دون آخر، وبهذا تظهر الواقعية الإفتراضية على مستوى الرواية الرقمية التفاعلية في علاقات افتراضية متداخلة تتمثل أطرافها في العناصر الآتية: مبدع إفتراضي، وسيط إفتراضي، ونص إفتراضي، ثم متلقٍ إفتراضي، وأنّ التعامل مع الوسيط ومحاولة تطويعه لتشكيل التجربة الرقمية يعدُّ جوهر الواقعية الإفتراضية.

وبعد .. تعدُّ هذه الدراسة تصوّرا مبدئيا لظاهرة إفتراضية أفرزها التطور التكنولوجي، وقد يزداد أثرها في المستقبل نتيجة التفاعل المستمر معها، كما أنّ النصوص في شقيّها الورقي والرقمي ستكون في يوم ما نصوصا تقليدية، قياسا بما ستفرزه الوسائط التكنولوجية من صور جديدة. لكن يبقى أنّ هذه التقنيات هي الإرهاصات الأولى التي حاول المبدعون معايشتها، ثم استلهامها في نصوصهم.