جمالية التحول الرمزي.. دراسة في تجربة خليفة الوقيّان الشعرية (6/ 7)

صولة بين الإماء الحبشيّات

• تحريضات الرّمز الجماليّة أساس في تحوّلاته الرّمزيّة:

يقوم الرّمز الفنّيّ بدور أصيل في نقل الحمولة الدّلاليّة وتفعيل عمليّة التّواصل بين (المبدع والمتلقّي)، كما يساعد في تحويل الدّلالة والانحراف بها إلى زوايا لم تكن مطروقة أو معلومة من قبل من خلال تحريضاته الجماليّة، ويلعب التّخييل الجماليّ الذي يتمتّع به الرّمز دوراً متميّزاً في التّنقّل عبر المساحات الدّلاليّة، ويعين الشّاعر على نقل الصّور من عدّة زوايا والوصول إلى آفاق دلاليّة بعيدة المدى، "وتعني سمة التّخييل أنّ الرّمز نتاج المجاز لا نتاج الحقيقة. ولهذا فإنّ ثمّة تناولاً مجازيّاً للظّواهر والأشياء، بحيث تتحوّل عن صفاتها المعهودة، لتدخل في علاقة جديدة مختلفة عن سياقها الواقعيّ.

غير أنّ هذا التّحوّل محكوم بطبيعة الأثر الجماليّ الذي تخلقه الظّواهر والأشياء في الذّات المبدعة. بمعنى أنّ التّخييل لا ينبغي أن يكون سائباً، في الرّمز، من الكينونة الواقعيّة. وهذا ليس خاصّاً بالرّمز وحده. بل هو أساس التّخييل في الفنّ عامّة. وذلك كما يؤكّد أدورنو حيث يرى أنّ الانفلات المطلق من الكينونة الواقعيّة. لن يؤدّي إلّا إلى تخييل مجّاني رخيص ومحدود القيمة".

نستطيع الإشارة في هذا المجال إلى مجموعة من الرّموز التي حشدها خليفة الوقيّان في نصّ "القضيّة" من مجموعة "تحوّلات الأزمنة"، واستفاد من بُعدها التّخيليّ في التّعبير عن معانٍ لم تكن تمتّ لتلك الرّموز بصلة، فقد حمّل رمزاً مثل (أبي جهل) بالإضافة إلى دلالة (الشّرك) الأساسيّة الموجودة فيه معاني حديثة مثل (الجمود الفكريّ، وحراسة القضيّة).

وصار "أبوجهل" في نصِّه هذا رمزاً لطائفة واسعة من النّاس في عصرنا الرّاهن ممّن يعتبرون أنفسهم حرّاساً للأخلاق والأعراف والعادات والتّقاليد.

وصار الكأس والصّبيّة عشقَ "بني العبّاس" رمزاً فنّيّاً، وينتظرون فتات الموائد، على الرّغم ممّا يحمله هذا الرّمز من دلالات الفتح والجهاد التي استقرّت في ذاكرة الأجيال على مرّ العصور، وهكذا تبدو مطامح كلّ من "ابن سهل" و"ابن خاقان" في هذا المشهد:

إيه، يا أهل الوجوه الخشبيّه

والعيون المطفآتِ الحجريّه

كم "أبي جهل" على أوثان شركٍ

عاكفاً، يرعى الطّقوس الوثنيّه

و"بنو العبّاس" في كلّ سريرٍ

يعشقون الأرض! كأساً وصبيّه

يحلبون الضّرع إن جاد! وإمّا

جفّ، يمتصّون أعراق الرّعيّه

وترى المجد كما يهوى "ابن سهلٍ"

و"ابن خاقانَ"، صُروحاً خزفيّه

قينةً ما بين غلمانٍ، وطوراً

صولةً بين الإماء الحبشيّه

وارتشافاً لتهاويل النّدامى

واعتناق الفضلات الكسرويّه.

لم يكن الرّمز في النّصوص الفنّيّة غاية في ذاته في يوم من الأيّام، حتّى في أشدّ المذاهب الأدبيّة إغراقاً في الرّمزيّة، بل تشير استعانة المبدعين برمز ما إلى رغبتهم في الاستفادة من الطّاقة الإيحائيّة في ذلك الرّمز، وهذا يعني "أنّ للرّمز الفنّيّ دلالات متعدّدة، ولا يجوز أن يكون له دلالة واحدة فحسب، وإن يكن هذا لا يمنع أن تتصدّر إحدى الدّلالات.

إنّ تعدّد الدّلالات ينهض من الكثافة الشّعوريّة والمعنويّة التي يعبّر عنها الرّمز، ويقوم عليها. أي إنّ الإيحائيّة إذ تكون سمة للرّمز، تكون أيضاً سمة للتّجربة الجماليّة من حيث الكثافة والعمق والتّنوّع.

ولهذا فإنّ المجّانيّة أو الاعتباطيّة في طرح الرّموز، لن تؤدّي، بحال من الأحوال، إلى إيحائيّة ذات وظيفة جماليّة - تعبيريّة. فالإيحاء الجماليّ هو إيحاء مكثّف ممتلئ بموضوعه، يؤدّي وظيفة يعجز عنها التّناول المباشر للتّجربة أو للظّواهر والأشياء".

لكن "إلى أيّ حدّ يستطيع هذا الرّمز الوفاء بإيحاء الأصل الجزئيّ، الذي يمكن أن يتصوّر بؤرة لتجربة الشّاعر ومشعّاً بالظّلال الدّلاليّة التي تنقل إلى المتلقّي جوهر العمل الشّعريّ؟ فاللّفظة تكسب قيمة من روح النّصّ كما تعطي هي بدورها قيماً داخلة". لذلك "تجنّب بعض الباحثين الاعتماد على ألفاظ اللّغة في علاجهم للنّظام المنطقيّ في اللّغة، واصطنعوا من أجل هذا رموزاً وإشارات أشبه برموز الرّياضيّين ومصطلحاتهم، حتّى لا تكون آراؤهم متأثّرة بما في دلالة الألفاظ من قصور، وما يكتنفها في كثير من الأحيان من ظلال المعاني التي تختلف باختلاف النّاس".