تحرير الرمادي بداية الحسم

قبل تحرير الرمادي بثلاثة أيام كنت مع زملاء في حوار تلفزيوني، يسميه البعض "تحليل سياسي"، وكالعادة كنت أحاور سياسين لهم وجهة نظر مسبقة، ولأنهم سياسيين فهم كالعادة ينظرون الأمور من ثقب أبرتهم الخاصة، يتعاملون مع معطيات منتقاة، وينحون معطيات أخرى جانباً، هم كالقطب المغناطيسي الذي يبحث في كومة قش عن كسرات حديد، غايتهم المعطى الذي يعلق بقطبهم المغناطيسي، لا شك أنهم محاورون بارعون، ومثقفون على درجة عالية من الثقافة، لكنهم ودونما تجريح منحازون، وليس هذا عيباً بالنسبة للسياسي، ولا حتى لغير السياسي، لكنه عيب ما بعده عيب بالنسبة للمحلل السياسي، الذي ينبغي أن يكون كالعالم في المختبر، ينسى من يكون، وما هي عقيدته، وقناعاته وينقاد إلى المعطيات المختبرية.

زعم أحدهم أن الرمادي لم ولن تسقط، لاحظ تعبير تسقط، الذي أعرفه كمتابع أن الرمادي سقطت يوم دخلتها داعش، تماماً كما سقطت بغداد يوم دخلها الأميركان، مؤكد أن البعض أعتبر دخول داعش للأنبار تحريراً، تماماً مثلما إعتبر البعض دخول الأميركان لبغداد تحريراً، والإختلاف هنا في وجهة النظر، لكن الواقع أن بغداد سقطت مثلما سقطت الرمادي، وبغداد تتحرر عندما يخرج الأميركان منها، والرمادي تتحرر وليس تسقط، يوم يطرد داعش منها.

في كل علم من العلوم، يستلزم بادئ ذي بدء تحديد المصطلحات، وغالباً ما تكون المصطلحات جامعة مانعة، لا علم بدون مصطلحات، والسياسة علم، ولا ينفع خلط المفاهيم إلا لمن يجعل السياسة تجارة وبزنس، يجوز فيها كل شيء في حدود التنافس، الذي لا يمكن أن يكون وبأي شكل تنافساً شريفاً.

للعديد من السياسيين دعاتهم، وفي الآونة الأخيرة محللوهم السياسيون، مثلما لكل منهم جريدته ومحطته التلفزيونية، وجيشه الخاص المسمى حماية، ولهذا فليس من المستغرب أن ترى على الشاشة الصغيرة صراع الديكة، وتحويل الإستوديو إلى حلبة مصارعة، غالباً ما يكون سبب إندلاع صراع الديكة نقد سياسي ما، أو حزب ما، ثم يتحول النقد بسرعة خاطفة إلى قذائف كلامية تنهل من قعر القاع الاجتماعي، ثم يتطور الأمر الى الرمي بالكراسي.

ما علاقة المحلل بنقد هذه الشخصية أم تلك، بنقد هذا الحزب أم ذاك، قد يتضمن التحليل نقداً، ظاهراً أم مُبطناً، فالتحليل الموضوعي يكشف ما خفي من الأحداث وما أستتر، وهو غير معني إلا بكشف مسار الأحداث ومآلاتها، ويبقى الأمر متروكاً للمتلقي.

يقول البعض عن ظاهرة القذف بالكراسي، هذه ظاهرة غير حضارية، لا أفهم ماذا يعنون بغير حضارية هنا، هذه الظاهرة في حقيقتها إنعكاس وإفراز صادق للوضع السياسي الذي يحلله هؤلاء، غير الحضاري ليس فعل هؤلاء الموسومين بالمحللين السياسين فقط، وإنما غير الحضاري هو الوضع الذي يجادل هؤلاء فيه، والذي جعل من هؤلاء الدعاة محللين سياسين.

من زعم أن الرمادي لا ولن تسقط نقل صورة ليست واقعية، عن قدرات غير واقعية لمن سماهم المدافعين عن الأنبار، ثم تساءل أين الجثث؟ أين جثث داعش أن كان ما يقولونه صحيحاً! مؤكد أن المحلل السياسي ليس دفاناً (حانوتي) كما يقول أخواننا المصريين، لكن السؤال يمتلك مبرره، لا نعتد بما صرح به ممثل التحالف بقوله أن التحالف قتل 2000 داعشي في الرمادي منذ تموز الماضي، ولا بما قاله مصدر مسؤول عراقي عن مقتل 1000 داعشي في الرمادي، فهذه الأرقام مطعون بها، فلماذا مثلاً 1000 و2000، وليس ألف وواحد مثلاً، وكيف تم إحصاء هذه الجثث، ووضعها في خانة الألف أو الألفين حصراً؟ لا شك أن المتحدثين الدولي والعراقي يسخران من عقولنا، ولكن الأرض تحررت، الرمادي تحررت، وهذا هو الجوهري في الموضوع كله.

من المؤكد أن بعض الدواعش هرب عبر إنفاق بات معروف سرها للجميع، ولكن لا يعقل أن يحفر داعش نفقاً يمتد من الرمادي حتى الفلوجة، وبمثل هذا الوقت الذي لا يتجاوز السنة، هذا أمر فوق طاقة داعش، ولا تقدر عليه أحدث تكنولوجية فن حفر الأنفاق، ثم أن الرمادي محاصرة من كل الجهات، ما يعني أن أطول نفق محتمل وممكن، سيكون في أرض يسيطر عليها الجيش أو الحشد، فأين ذهب الدواعش؟

المحاور الذكي لم يشر إلى إحتمالية أن يكون للأميركان ضلع في تسريب هؤلاء بشتى السبل، لكن همه كان منصباً على تأكيد كون داعش تَقتل، ولا تُقتل، تَحرق، ولا تُحرق، تُدمر، ولا تتدمر، تتوسع، ولا تضمر.. وكل هذه المفاهيم هي بالتأكيد جوهر البروبوغاندا الداعشية، التي تفوقت فيها إلى أبعد حد، وشجعتها على هذا التفوق وسائل إعلام غبيّة.

أين الإعلام العراقي، والإعلام المقاوم، والإعلام المناهض لداعش؟

ما هذه اللغة الخشبية، والأرقام العشرية أو المئوية أو الألفية.. يا سادة صورة واحدة تقنع أكثر بكثير من خروج متحدث رسمي باسم التحالف أو وزارة الدفاع، أو الحشد العشائري أو الشعبي، ما نحتاجه فيديو ذكي مُعبر، هلا إستفدتم من إعلام داعش؟!

تحرير الإنبار حدث بالغ الأهمية، ليس لأنه أول إنكسار لداعش، فداعش إنكسرت مرات ومرات أمام القوات العراقية والحشد الشعبي، وهي تواصل الإنكسارات أمام الجيش السوري، والقوات الكردية السورية، والبيشمركة العراقية، زمن إنتصارات داعش ولى، وحل زمن هزائمها المتلاحقة، وإنما لأن تحرير الإنبار نقطة البداية لفرز طال إنتظاره، من ملامح هذا الفرز إنحسار المد الطائفي، وعودة الروح الوطنية العراقية. بعد ملحمة الرمادي يبدو سخيفاً، وبالغ السخف، الحديث عن القوى الشيعية، والقوى السنية، وممثلو الشيعة وممثلو السنة، من سيتحدث في الرمادي، ومن الرمادي، هم ممثلو الوطنية العراقية من أحرار الرمادي، الذين عمدوا بالدم والتضحيات هذا الخيار، خيار الوطنية العراقية الذي لا خيار غيره.