الترويج للعقل اللغوي

ظاهرة إنسانية

في مصر وحدها يمكنك أن ترصد أهم ظاهرة إنسانية تتعلق باللغة التي تعد أبرز مكتسبات الحقيقة الإنسانية على وجه الأرض؛ وهي أن السياسة اللغوية ليست بانفصال عن السياسات الثقافية والممارسات الأكاديمية، هذا الانسجام يجعلنا نضيق بمرارة الحديث عن إدارة الوضع اللغوي والتخطيط لممارسات لغوية مقننة لاسيما وأن حال اللغة نفسها تعاني ضيقا في الرواج بصورتها الفصيحة البعيدة عن مغالاة اللفظ ووحشة العبارة.

ومن خلال الاطلاع المستمر على كتابات الأكاديميين اللغويين وجدت أن الطرح الثقافي المتسلل في السياق يدور بهوس شديد في فلك العلاقة التاريخية بين الهوية واللغة، الأمر الذي لا يحتاج إلى مراجعات أكاديمية مكرورة بفضل الشهود الحضاري للغة ذاتها، وتظل ظاهرة عولمة الثقافة والاقتصاد عالقة بأذهان هؤلاء وحدهم يبحثون عن سبل يقين لمواجهة تحديات العولمة في الوقت الذي ينبغي أن تتراهن الجهود بعد تكاتفها في البحث عن مساحات وظيفية حقيقية لممارسة اللغة بصورتها الصحيحة الفصيحة.

ومسألة الريادة الحضارية من المباحث اللغوية التي أرهقت أباطرة التنظير اللغوي بعيدي الصلة عن تطبيقاتها الفعلية، وهؤلاء المُرْهَقُون أزهقوا روح اللغة بالبحث عن ضرورة للحاجة اللغوية وتوصيف مهاراتها مقارنة بلغات أخرى غير مرتبطة لا في الطبيعة الصوتية أو الصرفية فقط من باب الدراسات اللغوية المقارنة الباهتة عديمة النفع، وكان ينبغي على هؤلاء المهمومين بتنظير اللغة وتعقيدها بعد تقعيد قوانينها الحاكمة الاهتمام بالمنتج اللغوي الذي يظهر في الكتابة أو التحدث، وعلينا ألا ندفن رؤوسنا في رمال الصحراء الغربية الشاسعة ونحن نستقرئ ملامح الإنتاج الكتابي لدى بعضنا البعض لاسيما في مؤسساتنا التعليمية، كذلك علينا ألا نذهب صوب البحر طلبا للغرق ونحن نستمع إلى حديث الشباب ببعض الفضائيات الفراغية نسبة إلى الفراغ.

ولأننا غير مدفوعين لتبرير عدم الترويج للعقل اللغوي فإننا بغير استحياء يمكن رصد حالنا اللغوي بانعدام وانتفاء وجود الجماعة اللغوية اللهم سوى تلك الجماعات المدرسية التي تمارس اللغة بصورة احتفالية احتفائية في المناسبات، أما وكيل الوزارة أو مدير المديرية أو أمام سيادة المحافظ.

وإن وجدت تلك الجماعة اللغوية في مؤسسات التعليم العالي فإن الجماعات اللغوية نفسها في حالة تصارع مستدام، ليس فقط بين الكليات التي تتوافر بها أقسام وشعب للغة العربية، بل داخل القسم الواحد أيضا، مما يجعل اللغة فريسة للتردي على حساب وجود شرس للهجة العامية في صورتها البذيئة لا الشاعرية.

ولطالما اجتهد المخلصون والقائمون على أمر العربية في تعضيد الفكرة القائلة بأن النهوض بالممارسة اللغوية ـ لا اللغة ـ يحتاج إلى تدخل رسمي مباشر من أجهزة الدولة السيادية، لكن تظل مشكلة ممارسة اللغة احتفالية أو يتم استخدامها بصور رسمية تخضع لبروتوكولات مقيدة في الاجتماعات أو المؤتمرات أو المحافل ذات الصبغة الأكاديمية رغم أن ممارسة اللغة بصورتها التداولية أمر بسيط ويسير ولا يتطلب جهدا أو مشقة.

وإذا كانت المؤسسة السياسية تسعى منذ وقت إلى التأكيد على قيم الوطنية والعمل الجاد وتوافر الهمم لدى المصريين الأمر الذي نجم عنه تدشين مشروعات مصرية خالصة التخطيط والتنفيذ وتحقيق النجاح أيضا مثل قناة السويس الجديدة والغواصة المصرية التي تم تصنيعها مطلع الشهر الحالي وغير ذلك من ملامح تستدعي الالتفات وتسترعى الانتباه، فإن المؤسسة السياسية بات من أولوياتها الآن بعد استقرار الأوضاع السياسية والاجتماعية نسبيا الأخذ بمبادرة تعليمية تطبق ولو لمدة بسيطة تعقبها مسابقة بين المؤسسات التي تستخدم اللغة الفصيحة بصورة وظيفية.

الأجمل والأرقى والأروع والأدهش حقا حينما أخبرني طلابي بمأساة اللغة الوظيفية، تلك المأساة التي يمكن رصدها واقتناصها في مسابقات غنائية تضرب بالوطن العربي من المحيط القارس إلى الخليج الأكثر دفئا.

وهذا الهوس العجيب في اهتمام والتفات الشباب حول تلك المسابقات التي لا تخرج لنا بالفعل صوتا غنائيا حقيقيا مثل محمد منير أو إيمان البحر درويش أو علي الحجار مثلا، وكان العلاج السحري والحصري لمشكلة تآكل استخدام اللغة الفصيحة وظيفيا هو إطلاق مسابقة وطنية لغوية في المفردات اللغوية ذات الشجرة أو العائلة اللغوية المتماثلة أو المشتركة، وكذلك مسابقة أخرى في المتضادات اللغوية والاشتقاق اللغوي للمفردات.

جميل حقا أن نرى بعضا من أحلامنا المشروعة تتحق وتجري على أرض خضراء، أقصد لغة سائغة تنطلق من ألسنة عصماء.

د. بليغ حمدي إسماعيل ـ مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا