البشري وإلهي.. الدين وتاريخه

الشروحات المذهبية منتج بشري تاريخي بعضه ما يزال قابلا للإستخدام وبعضه منتهي الصلاحية

تخيلوا إجراء عملية جراحية معقدة في أجواء موبؤة بالكثير من الفيروسات والطفيليات والبكتيريا، ألا يمكن ان يحمل ذلك الجسم الذي أجريت عليه العملية بعض منها.

وإن كان القرن الهجري الثاني وهو عصر مضطرب سياسيا ومليئ بالصراعات العرقية وصراعات الفرق والمذاهب هو أيضا عصر التدوين للأحاديث وعصر الشروحات "المذاهب"، أليس من البديهي أن يتأثرا بأجواء ذلك العصر وطرق تفكيره وحتى مفردات اللغة المستخدمة فيه.

علم الحديث وهو علم محترم قياسا إلى زمنه الذي أبتكر فيه، قطع شوطا كبيرا في تصفية المدونات مما لحق بها من أمراض عصر التدوين، إلا أنه من غير المعقول القول إنه قد حقق أهدافة بنسبة مئة في المئة، فعلم الرجال بالإضافة إلى الشروط الموضوعية التي وضعها المدونون في زمنهم قد لا تكون كافية بالخصوص.

ولا شيء يمنع من تطوير هذا العلم بالاستفادة من المناهج العلمية الحديثة كالاستعانة بالمناهج التاريخية وعلوم اللغة واللسانيات لمقارنة لغة المدونات بلغة عصر التدوين وعصر الرسول صلى الله عليه وسلم كمنقول عنه.

أهل أي علم هم أبرع الناس فيه وأهل الحديث هم اقدر الناس على تحديث علمهم إن إرادوا، الا أنهم قوم يمجدون التقليد ويذمون الجديد. وهذه هي المشكلة، الأمر الذي يبقي الباب مفتوحا للمتطفلين الهواة لانكار الحديث جملة أو تفصيلا، أو الإيمان ببعضه وإنكار بعض.

الا أنه إن كان ممكنا القول أن الشروحات "المذاهب" منتج بشري تاريخي بعضه لا يزال قابلا للإستخدام وان بعضه منتهي الصلاحية، فإن المعضلة في المدونات إن كان من المسلمات الراهنة القول أن ما بينها هو الدين، مع التسليم أن عملية التدوين ذاتها جهد بشري، ومع إحتكار فئة من الناس تتوارث علما هو أيضا من منتجات القرن الثاني الهجري الفتوى فيما هو الصحيح منه وما هو غير الصحيح.

ما يمكن قوله هنا أن الدين شيء وتاريخ الدين شيء آخر، فالتدوين كما الشروحات كجهدين بشريين هما من تاريخ الدين وليسا جوهر الدين. فما يمكن تسميته الآن أنه الدين الإسلامي، وكأي دين آخر، هو في الحقيقة شيئين لا شيء واحد هما الدين وتاريخه، كما يحضر فيه عصر الوحي يحضر فيه عصر التدوين والشروحات، وما بعدهما من إضافات العصور، فعصر الوحي الذي يحضرك حين تقرأ القرآن، هو ليس وحده من يحضرك حين يتعلق الأمر بالمدونات والشروحات اذ يحضر معهما أيضا القرن الهجري الثاني بما له وما عليه.

أنا هنا لا أدعوا إلى إبعاد المدونات والشروحات والإكتفاء بالقرآن، اذ لا يمكن الفصل بين أي دين وتاريخه، وإلا أصبح شيئا آخر لا يشبهه.

إلا أن الوعي بما هو دين وما هو تاريخ للدين، وما هو إلهي وما هو بشري، وتطوير الأدوات العلمية لمعرفة ذلك، ثمة ما يمكن القول أن فيه صلاحا للدنيا والدين، وخروجا من التيه الراهن.

عبد الله الدوبلة

كاتب يمني