ذاكرة الأسنان اللبنية

استند إلى العصا بقامة تشبه علامة الاستفهام

تنفس الرجل المسن جدا بارتياح، أخذ نفسا عميقا فاستوقف ارتياحه الكبير انزعاج صغير، أكان ينبغي له أن يسهر حتى هذا الوقت منتظرا نومها حتى يستطيع أن يأكل قطعة الشوكولاتة التي يحبها؟.

حاول أن يكتم أنفاسه، صدره يهبط وينزل من انفعاله الفَرِح بالقدر الذي يركز فيه على ألا يصدر منه أدنى صوت، يقول لنفسه: هذه العجوز رأسها خفيف ونومها متقطع، كأنها تخاف أن يفوتها شيء.

تناول نظارته الملقاة على الطاولة بجانب السرير وقال في سره: أجمل ما في هذه المرأة أنها تخشى العتمة، إذ كيف سيتسنى لي أن أبحث عن نظارتي لو لم تكن الغرفة بل البيت كله بأكمله مضاء، وضع النظارة بأصابع مرتجفة على عينيه وأنزل بكل هدوء ساقيه النحيلتين المشعرتين على الأرض.

تطلع إلى زوجته تغط في سبات تراءى له يشبه الموت إلى حد بعيد، لم يتوقع أن يمتليء وجهها المتغضن بالتجاعيد بكل هذا الاطمئنان، لا بأس قال في نفسه: إنه التعلق بالزهو الباهت، فلتنم براحة وسلام، هي نائمة أفضل منها مستيقظة.

لا بد أنني أتقنت تمثيل دور النائم الذي أديته بجانبها فاطمأنت لي كل هذا الاطمئنان ونامت بسعادة هاديء البال الذي لا يتوجع خديعة ومؤامرة غير محسوبة، يا لي من ماكر ويا لها من مسكينة تغفو ولا تعلم شيئا، من أين يأتيها يا ترى كل هذا الاطمئنان لي! حدث الرجل المسن نفسه بكل هذا وهو يتطلع في وجه زوجته.

تململت المرأة العجوز قليلا فكاد قلبه أن يتوقف محبوسا بأنفاسه المتقطعة، حتى وإن استيقظت فإنها لن تراه للوهلة الأولى بوضوح، فما أسهل أن يرفع ساقيه إلى السرير ويتمدد من جديد، تململت واستقرت بثبات جثة على جانبها الأيمن ووجهها مقابل النافذة عارضة ردفيها الساحلين باتجاهه.

ابتسم، كان يشتهي هذه الحركة المثيرة ويستجيب لها متواطئا مع رغبتها بسرعة، أما الآن فقد تناسى هذا التواطؤ، وفكر أيضا أنها حركة متواطئة مع ما يخطط له الليلة فقد أبعدت بحركتها تلك عينيها عن الباب إذ يستطيع الآن أن يتسلل إلى المطبخ كيفما يشاء، فهذه المرأة لا تتقلب لثقل حركاتها بسهولة، المسكينة كم حفرت الشيخوخة وهنا في عظامها.. قال لنفسه بشفقة من يشتهي أن يضحك ويبكي معا.

تناول عكازه الملقى تحت قدميه واستند بقامته المحنية كعلامة الاستفهام إليه: آخ! صار لازما أن أستبدل فرشة السرير بأخرى جديدة، كيف لم أنتبه إلى أنها تؤلم ظهري إلى هذا الحد الذي لا أستطيع أن تكون لي قامة منتصبة، ابتسم في داخله بمرارة الذي لم يعد يعرف على أي درجة من درجات العمر بات يقف.

توقف قليلا قبل أن يعيد لمشيته توازنها وخطا باتجاه المطبخ واتجاه تنفيذ خطته، تقلصت المسافة كتقلص عظامه الرخوة، بينه وبين الخزانة التي خبأ فيها قطعة الشوكولاتة مسافة خطوات ورغبات في تحقيق نصر على الحسناء النائمة، كاد أن يقع لكنه توقف قليلا.

هذه العجوز تشاركني في كل شيء، في سريري وطعامي وجلوسي ومنامي وحديثي وحتى في صمتي، كل شيء..أووه، أي ضجر هذا! لقد سئمت أن تشاركني الطعام بالتحديد فلا أستطيع أن أهنأ وحدي بتناول ما أحب من طعام، بل إنها أحيانا تأكل البسكويت والشوكولاتة والحلوى وحدها بينما أكون نائما.

يا لغفلتي، لا أدري أين ومتى تتناولها بعيدا عن عيني، إذ لا تستطيع أن تخدعني وأنا نائم، فعقلي دائما مستيقظ وحذر.. ربما في الحمام، نعم أعتقد أنها تأكل هذه الأشياء اللذيذة وتستفرد بها في الحمام.. الماكرة تدخل الحمام بحجة الاستحمام وجيبها مليء بما يحضره الأولاد لي من الحلوى، سأنتبه لها وأفتشها في كل مرة ستدخل إلى الحمام.

أريد أن يكون كل شيء لي وحدي في هذا البيت، لقد مللت التصاقها جانبي في السرير وعلى الأريكة أمام التلفزيون، توقف قليلا وهو يهجس لنفسه بكل هذا الحديث، يده اليمنى تمسك العصا وتشد عليها بارتعاشة مدمنة والأخرى تتناول قطعة الشوكولاتة المخبأة خلف الصحون في خزانة المطبخ.

فرح الرجل المسن كطفل وهو يكتشف أنها ما تزال هناك بعيدة عن متناول يدها، تنفس بارتياح وأخذ نفسا عميقا، وراح يخطو سعيدا بقدمين وعصا إلى الأريكة في الصالون، وما أن جلس وألقى عصاه بين قدميه حتى أطلت عليه زوجته زاحفة ومستندة إلى الجدران.

نظر إليها مرعوبا فصرخت فيه بصوتها الحاد الذي يشبه صرير الباب:

يا لك من عجوز خرف كيف ستستطيع أن تلتهم الشوكولاتة من غير أن تضع طقم أسنانك؟

لحظتها انتبه إلى أن فمها مليء بالأسنان فشهق مذعورا: الخرفة المجنونة، الآن عرفت أين كانت تخبيء أسناني.