جمالية التحول الرمزي .. دراسة في تجربة خليفة الوقيّان الشعرية (5/ 7)

أدرت إلى جهة البحر وجهيَ

• دور المرجعيّات (التّاريخيّة والأسطوريّة والدّينيّة) في دلالة الرّموز وتحوّلاتها:

يلقي التّاريخ بثقله من خلال أحداثه السّياسيّة والاجتماعيّة على دلالة الرّموز في نصّ "إشارات" من مجموعة الوقيّان "حصاد الرّيح"، فتشهد دلالاتها تحوّلاً ملحوظاً تندّد بما تعرّضت له الكويت أيّام الحرب والعدوان، فالنّجوم فوق أكتاف قادة الحرب توحي بالذّلّ والهوان لا بالعزّة والكبرياء، وتعبّر عن مختلف أشكال الظّلم التي يقومون بها من قتلٍ للأطفال الأبرياء وتنكيل بأجسادهم اللّطيفة بلا ذنب اقترفوه، فيشعر الوقيّان بعجزه الفنّيّ والإنسانيّ، فالعجز الفنّيّ يتجّلى في عجز الكلام عن تصوير هول التّفاصيل الدّقيقة، كما يظهر العجز الإنسانيّ في عدم قدرة الشّاعر عن تقديم الإجابات المنطقيّة المقنعة التي تفسّر لطفلته البريئة معاني وأسباب ما يدور أمامها، وتنعكس حيرة الطفلة وعجز الشّاعر في هذا المشهد:

تسائلني طفلتي

في المساءِ الكئيب

- ومَن هؤلاء؟ ومن أين جاؤوا؟ وماذا يريدون؟

ووجه الكويتِ يطلّ حزيناً

وراء الشّبابيكِ

والصّمتُ يُطبقُ فوق المدينة

لا أبصر الآن شيئاً

سوى قطّةٍ

تعبُرُ الدّربَ

تسعى إلى غيرِ قصدٍ

تلوبُ

تعودُ إلى دار أحبابها الغائبين.

شكّلت تساؤلات الطّفلة - وإن عَبّر الشّاعر عن عجزه عن تفسيرها إنسانيّاً وتصويرها فنّيّاً - محرّضاً أو مثيراً إبداعيّاً أضفى على رموزه أطيافاً واسعة من الدّلالة، كما وسّع حيّز زوايا الرّؤيا عند الشّاعر وزوايا الرّؤية عند المتلقّي، فشغلت الرّموز مساحات دلاليّة واسعة من النّصّ، كما بدا التّحوّل الرّمزيّ جليّاً في دلالة رمز الغول عمّا شهدناه سابقاً:

وأطرقتُ حيناً

أدرت إلى جهة البحر وجهيَ

رأسي ثقيلْ

هنا نام جدّي

الذي أكل البحرُ أشلاءَه

في الرّحيل الطّويلْ

هناك أبي

مَزّق القِرش أطرافه

حينما نَزَعت كفُّه الخبزَ

مِن بين أنياب غول المحيط

فأهدى البقاءَ لأطفالِهِ الجائعينْ.

شكّل رمز "الغول" في نصّ سابق معادلاً موضوعيّاً لشخصيّة "المخبر" بقبحها وشرورها، لكنّه وعلى ما يبدو في هذا النّصّ رمزٌ للواقع المرير الذي اعتاد الشّاعر، ومن خلفه المجتمع، على صراعه ومقاومته والانتصار عليه، حين أبحر الآباء والأجداد في ظلمات البحار، وصارعوا الواقع المرير، وتحّدوا آلامه وويلاته، وصمدوا في وجهه، وانتزعوا من بين أنيابه أسباب الحياة، وقد استطاع الشّاعر انطلاقاً من الواقع المرير أن يوظّف رموزه، ويخرق المألوف من دلالاتها، لتعبّر عن ولادة الحياة واستمراريّتها، وإكبار الصّمود في وجه كلّ ما يعيق تقدّم هذه الحياة، بعد أن عبّر رمز الغول مراراً وتكراراً عن الموت أو الطّريق إلى النّهاية المشؤومة.

• خصائص الرّمز الفنّيّ محور التّحوّل الرّمزيّ:

قد يصل التّشابه بين الرّمز والنّموذج الفنّيَّين إلى حدّ التّماهي، حيث يساعد كلٌّ منهما على خلق شخصيّات رمزيّة ذوات أبعاد متنامية في سياقها الفنّيّ، وينبغي الإشارة إلى أنّ "الرّمز المحوريّ في النّصّ غالباً ما يتداخل في النّموذج الفنّيّ. بمعنى أنّ الرّمز يبدو نموذجاً، مثلما يبدو النّموذج رمزاً. ولهذا فإنّ تحليل النّصوص... لا يمكن أن يغفل هذا التّداخل الذي كثيراً ما يصل إلى مستوى الاتّحاد أو الوحدة".

وكثيراً ما نلحظ "ثمّة امتزاجاً لغويّاً - دلاليّاً بين قطبيّ الرّمز المنشطر، ينعكس على الأداء الفعليّ لكلّ منهما". وقد "استعمل البشر من القديم إشارات ورموزاً تدلّ على معانٍ في أذهانهم أو تشير وترمز إلى أشياء مادّيّة؛ ولا تخرج ألفاظ اللّغة عن أن تكون رموزاً يشير بها كلّ جماعة إلى معاني الأشياء التي يقصدونها".

في الرّمز الفنّيّ يختلط الواقعيّ بالخياليّ من خلال جدليّة العلاقة بين ما هو جماليّ تخييليّ وحسّيّ انفعاليّ سياقيّ، ويعود هذا الاختلاط بالنّفع على مستويات النّصّ عموماّ، وعلى المستوى الدّلاليّ منها على وجه التّحديد، وفي معرض ذكر نقاط الالتقاء والاختلاف بين الرّمز الفنّيّ والإشارات الجماليّة تجدر الإشارة "إلى الطّبيعة المزدوجة للإشارات بوجه عامّ وللجماليّة منها بوجه خاصّ.

وقد أشار فلاديمير إيليتش لينين إلى أنّ سيرورة المعرفة تشمل "إمكانيّة تحليق الفانتازيا". يمكن أن يعني "تحليق الفانتازيا" من وجهة نظر نتائجه شمولاً أوسع للواقع وابتعاداً عن كشف خصائصه الحقيقيّة، لجوءاً إلى عالم الوهم.

ويسمح لنا هذا "الاختلاف" بفهم أفضل لجوهر الإشارات الجماليّة ومصائرها التّاريخيّة. إنّ الإشارات الجماليّة، التي تدين بظهورها لمتطلّبات التّعميم الفنّيّ، تحتفظ في التّطوّر اللّاحق للفنّ، بهذا الشّكل أو ذاك، بسمتها الخاصّة، بتجسيدها ما هو واقعيّ مميّز من جهة، وقد تطلّ من جهة ثانية بمعنى الدّلالة على تصوّرات ثابتة لما هو غير واقعيّ وفوق المحسوس، تطلّ في شكل عرف، كليشيه - بديل للوحة الحياة الحقيقيّة".

ولا يخلو تاريخ الفنّ العالميّ في بعض الأحيان من الأمثلة التي تشير إلى ابتعاد "الإشارة الجماليّة والنّموذج الفنّيّ المركّب كلّ عن الآخر ولاقترابهما كذلك. فتتحوّل الإشارة الجماليّة أحياناً من الدّاخل بنتيجة التصاق عناصر حيّة حياتيّة متحرّكة بها وتكتسب صفات وخصائص النّموذج الفنّيّ. من جهة ثانية، يصبح النّموذج أحياناً، لكثرة تكراره واستخدامه بشكل آليّ ومستمرّ، إشارة".

نتج عن اختلاط سمات الرّمز الفنّيّ بسمات الرّمز اللّغويّ والإشارة الجماليّة والنّموذج الفنّيّ وتفاعل بعضها مع بعض تقسيمٌ للرّمز أو الرّمزيّة إلى عدّة مستويات عند كثير من الباحثين، فقد أشاروا إلى أنّ الرّمزيّة "أنواع متعدّدة، ومنها اللّغة فهي رموز معنويّة.

والألفاظ المنطوق بها رموز لما ينطوي تحتها، من أفكار وانفعالات وصور عقليّة. والكلمات المكتوبة أصلها رموز للكلمات المنطوق بها، ثمّ تصبح رموزاً للمعاني دون تدخّل الكلمات المنطوق بها.

وإنّا في أحوال تفكيرنا إنّما نترجم الرّموز اللّغويّة بطريقة تختلف درجاتها عمقاً وتعقيداً. فالصّلة إذن بين اللّغة والفكر قويّة، وأثر اللّغة في الفكر له شأن عظيم، وله قوّة في الحياة اليوميّة، وكذلك في التّأمّلات العقليّة الباطنيّة". لكنّ نظريّة النّماذج الفنّيّة تهمل بعض أشكال الرّموز الأدبيّة التي تسهم في تمثيل الواقع، لذلك "يتحدّث م. كاغان حول تغيير الواقع، تشويه صورته في الأدب أحياناً، حول الأشكال الميثولوجيّة والخياليّة...إلخ لكنّه لا يرى في كلّ ذلك شيئاً آخر سوى نموذج تمثيل مجازي للحياة: "مهما كانت صورة العلاقة المتبادلة بين عكس الحياة وتغييرها، لكن وجودها قانون حتميّ وأكيد للاستيعاب الفنّيّ للعالم من قبل الإنسان، ويتيح هذا لنا، قبل كلّ شيء، أن نرى في الفنّ أداة تمثيل مجازيّ للواقع، إذ ليس التّمثيل عمليّة نسخ فجّة للواقع، بل عكساً يبلوره، أي أنّه تجسيد لبعض علائقه فقط".

نستفيد من التّقاطعات بين الرّمز الفنّيّ و(الإشارة الجماليّة والنّموذج الفنّيّ والرّمز اللّغويّ) في رصد التّحوّل الرّمزيّ والخروج عن المنطقيّ والمألوف في دلالة بعض الرّموز التي تنتمي إلى حقل أو عالم الطّيور في مجموعتيّ "تحوّلات الأزمنة" و"حصاد الرّيح". فقد يكون من المنطقيّ أن تستنسر (بُغاث الطّير) التي تحوم حول سماء الوطن، وتنتظر سانحات الفرص للانقضاض عليه، انطلاقاً من وحدة الفنّ واستمراريّة الزّمن الفنّيّ الفاصل بين المجموعتين الشّعريّتين، إذا ما استطعنا النّظر إليهما بوصفهما فصلين من مسرحيّة واحدة، هي الحياة، ونستطيع رصد رمز (بغاث الطّير) في قصيدة "كلاب الصّيد" من مجموعة "تحوّلات الأزمنة" لنرى تحوّلاتها الرّمزيّة في قصيدة "وكر الصّقور" من مجموعة "حصاد الرّيح"، حيث يقول الوقيّان في قصيدته "كلاب الصّيد":

"أبالنا"، هل الكويــــــ ** ــــت اليوم وكر للخنا؟

أما ترى كيف بغــا ** ث الطّير تلهو حولنا

وكيف تختال كلا ** ب الصّيد تيهاً بيننا

من الممكن في المنطق أن تستنسر بغاث الطّير في مجموعة شعريّة لاحقة، ولا سيّما إن كانت هذه المجموعة تحمل عنواناً يشير إلى إمكانيّة ذلك مثل "حصاد الرّيح"، فقد تصبح أبواب الوطن وحِماه مشرّعة على عواصف الرّيح، لتفتك بها الخنا مع بغاث الطّير التي استنسرت وكلاب الصّيد التي طال انتظارها سقوط الوطن، لكنّ الذي نجده أنّ معدن أبناء الوطن الحقيقيّ أكثر ما يتجلّى في أوقات الشّدائد، فلا صوت للخنا ونسور الأزمات مع كلاب الصّيد عندما تحلّق صقور الوطن في السّماء مدافعة عن حماها، ليعلو صوت الشّاعر في نصّ "وكر الصّقور":

وكر الصّقور وكيف يخفض هامةً ** مـن يبتغي ساحَ النّجوم ملاعباً

مِن كلّ معسول الطّباع مُـهذَّب ** يــنجاب ليثاً قـد تفجّر غاضـــباً

يهوي على زُمَر الجُناة صواعقاً ** ويُحيل لــيـل الغادريـن نوائباً

حلّقت الصّقور في سماء الوطن تدافع عن ربوعه، وتحمي حماه. ومن جماليّات مفارقات التّحوّل الرّمزيّ في الدّلالة أن يخرق النّصّ حدود المألوف والمتوقّع، ويضيء المبدع مساحات دلاليّة جديدة من خلال تفعيل إضاءات رمزيّة من زوايا مختلفة تشير إلى أنْ لا صقر في سماء الوطن إلّا من أبنائه الذين يخرّون صواعقاً على زُمَر الجُناة من "بُغاث الطّير" التي كانت تأمل أن تستنسر في وقت النّوائب، أو التي كنّا نتوقّع منها ذلك في مجال الفنّ، ليصبح ليل الغادرين موتاً ومصائب نكالاً بما اقترفت أيديهم.

الرّمز في النّصوص الفنّيّة عموماً، والنّصوص الأدبيّة خصوصاً شكل سامٍ ومجرّد يستطيع المرسل بوساطته أن يعبّر عن تطلّعاته إلى الواقع والمستقبل بطريقة يمكن التقاطها بأشكال مختلفة تبعاً لاختلاف المتلقّين، وإن كان هذا الرّمز يحظى بقدر لا بأس به من المساحات الدّلاليّة بين مجموعة المتلقّين، إلّا أنّ الشّاعر يستطيع الاستفادة من تعدّد سماته الجماليّة وتوظيفها في نصوصه لنقل معاني بسيطة وأفكار رمزيّة ذوات أبعاد دلاليّة متحوّلة أو منزاحة.

وباستطاعة الشّاعر من خلال الرّمز أن ينفذ إلى أسرار العالم، ويصوّره ببعديه المادّي المحسوس، والتّجريديّ خارج إطار المحسوس؛ لذلك كانت الإشارة إلى أنّ "الرّمز لا يكون حقيقيّاً وأصيلاً في الواقع إلاّ عندما يكون لا متناهياً وبدون حدود في معناه، إلاّ عندما يوحي ويلمح من خلال لغته السّحريّة الخاصّة إلى ما هو أبعد من حدود المعنى الخارجيّ المعروف للكلمات".