بطانة بوتفليقة تكسب جولة حاسمة ضد أقوياء العسكر

صراع على الاستفراد بعائدات الفساد

الجزائر ـ تصدر قرار إحالة الفريق محمد مدين المدعو "توفيق" قائد المخابرات القوي إلى التقاعد في سبتمبر/أيلول واجهة الأحداث في الجزائر العام 2014 ووصفته وسائل إعلام محلية ومراقبون بـ"الزلزال السياسي"، وذلك ضمن سلسلة تغييرات غير مسبوقة شهدتها المؤسسة العسكرية، وصلت حد محاكمة جنرالات سابقين.

وأعلنت الرئاسة الجزائرية في 13 سبتمبر/أيلول 2015 أن الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة أحال الفريق محمد مدين، قائد جهاز الأمن والاستعلام (التسمية الرسمية لجهاز المخابرات) على التقاعد، وعين مكانه اللواء عثمان طرطاق ضابط مخابرات سابق، ومستشار الرئيس للأمن.

ووصفت وسائل الإعلام المحلية ومراقبون القرار بالزلزال كون الفريق مدين (76 سنة) كان يقود جهاز المخابرات منذ 1990، ويوصف بـ"الخفي" حيث لا يظهر على وسائل الإعلام أو في المناسبات الرسمية، حتى أن معظم الجزائريين لا يعرفون شكله، وحتى وسائل الإعلام لا تملك صورا له سوى واحدة أو اثنتين سربتا عبر الإنترنت.

كما اعتبر مدين أكثر ضباط المؤسسة العسكرية نفوذا في البلاد خلال العقدين الماضيين، حيث شهد قيادة 5 رؤساء للبلاد و10 رؤساء حكومات، وعشرات الوزراء ووصف بأنه من صناع "الرؤساء" لدوره الكبير في وصولهم للحكم.

وجاء قرار إحالة قائد المخابرات إلى التقاعد، ضمن سلسلة تغييرات أجراها بوتفليقة داخل المؤسسة العسكرية في البلاد، بدأت عام 2013 وشهدت ذروتها خلال عام 2015 .

ومسّت هذه التغييرات بالدرجة الأولى جهاز المخابرات حيث طالت جهازي الأمن الداخلي والخارجي فيه والأمن الرئاسي وحولت إدارة عدة أجهزة ومصالح كانت تابعة للمخابرات إلى قيادة الأركان، كما تم تغيير كل من قائد الحرس الجمهوري وقائد جهاز الدرك الوطني وطالت موجة الإقالات عشرات الضباط الكبار في جهاز المخابرات بالدرجة الأولى حسب وسائل إعلام محلية.

كما تم نهاية أغسطس/أب سجن القائد السابق لجهاز مكافحة الإرهاب في المخابرات الجنرال عبد القادر ايت أوعرابي (أحد المقربين من الفريق محمد مدين)، وأحيل إلى القضاء العسكري بعد أن أدين بخمس سنوات سجنا نافدة نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بتهمة بتهمة إتلاف وثائق عسكرية، ومخالفة أوامر عسكرية، حسب هيئة دفاعه.

كما اعتقلت مطلع أكتوبر/تشرين الثاني الجنرال المتقاعد حسين بن حديد بعد تصريحات هاجم فيها الفريق أحمد قايد صالح، قائد أركان الجيش وسعيد بوتفليقة شقيق الرئيس ومستشاره الشخصي، وهو يقبع حاليا في السجن في انتظار محاكمته بتهمة إفشاء أسرار عسكرية.

ويصف مراقبون ووسائل إعلام محلية هذه السنة بأنها كانت "خريف الجنرالات" في الجزائر، فيما تقول الموالاة إنها تغييرات لتعزيز أسس دولة مدنية، بينما تؤكد أحزاب وشخصيات معارضة أنها تعكس صراعا في هرم السلطة بين الرئاسة وجناح في المؤسسة العسكرية كان يقوده الفريق محمد مدين المقال من قيادة المخابرات.

وقال عمار سعداني الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في تصريحات لوسائل إعلام محلية أن تنحية الفريق مدين هو انهيار لدولة موازية، لأنه كان يمتلك أذرعا سياسية وإعلامية كانت تعيق قيام دولة مدنية في الجزائر سيضع معالمها تعديل دستوري سيجريه بوتفليقة مطلع عام 2016، بحسب سعداني.

وعالجت محاكم جزائرية خلال سنة 2015 اثنتين من كبريات قضايا الفساد في بلاد صنفها تقرير للمنظمة غير الحكومية "الشفافية الدولية" عام 2014 في المركز الـ 105 في مؤشر الدول الأكثـر فسادا في العالم وهي دولة تعتمد عائداتها من العملة الأجنبية على صادرات النفط والغاز بنسبة 97 بالمائة.

ويتعلق الأمر بقضية فساد عرفها مشروع الطريق السيار شرق- غرب الممتد من الحدود التونسية شرقا إلى الحدود المغربية غربا على مسافة أكثر من 1200 كم ويسمى بـ"مشروع القرن" في الجزائر.

وأصدرت محكمة جنايات العاصمة مطلع مايو/أيار، أحكاما بالسجن وصلت عشر سنوات بحق 12 متهما بالتورط في اتهامات بـ"الفساد المالي" في القضية، وذلك بعد أسابيع من المرافعات في الملف.

وقال مصطفى عطوي رئيس الجمعية الجزائرية لمكافحة الفساد (غير حكومية)، في تصريحات سابقة، إن قيمة "الفساد في المشروع بلغت 4 مليارات دولار"، علما أن كلفته 13 مليار دولار حسب السلطات الرسمية.

وأصدرت محكمة الجنايات بالبليدة (جنوب العاصمة) في 23 يونيو/حزيران، قرارا بحبس رجل الأعمال عبدالمؤمن رفيق خليفة 18 سنة سجنا نافدة بتهم "تشكيل جماعة أشرار والسرقة والتزوير واستعمال وثائق مزورة".

وتسمى قضية عبدالمؤمن خليفة محليا بـ"فضيحة القرن" بعد اكتشاف السلطات تأسيسه بنكا خاصا مطلع العقد الماضي أغرى من خلاله شركات عمومية ومواطنين، بنسب فوائد كبيرة لإيداع أموالهم لديه، قبل أن يتبيّن أنها عملية احتيال لتهريب الأموال نقدا نحو الخارج عبر شركة طيران أسسها المتهم لذات الغرض كلفت المساهمين وخزينة الدولة 5 مليارات دولار، قبل أن يفرّ إلى بريطانيا عام 2003 ليتم ترحيله نهاية عام 2013 إلى الجزائر.

وتقول السلطات ان هذه المحاكمات دليل على الإرادة السياسية في مكافحة الفساد فيما ترى المعارضة ومنظمات حقوقية غير حكومية أنها محاكمات شكلية لتصفية هذه الملفات كونها استثنت كبار المسؤولين الذين حدثت في ظل تسييرهم لشؤون البلد، من المحاكمات.

كما توصف سنة 2015 بالجزائر بسنة "التقشف" شعبيا و"سنة ترشيد النفقات" رسميا، كونها شهدت إجراءات حكومية لتخفيض الإنفاق العام وصلت حد إلغاء مشاريع للبنى التحتية، بسبب تراجع اسعار النفط في السوق الدولية، التي تمثل ما نسبته 97 بالمائة من عائدات البلاد من العملة الأجنبية.

وخلف انهيار أسعار النفط في السوق الدولية، خلال الأشهر الأخيرة، تراجعا في إيرادات الطاقة بنسبة 40.7 بالمئة، حسب وزارة المالية الجزائرية.

وبلغ العجز التجاري للجزائر 10.825 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من 2015، مقارنة مع فائض 4.29 مليار دولار في الفترة المقارنة قبل عام.

وقال وزير المالية عبدالرحمان بن خالفة منذ أيام، إن احتياطيات النقد الأجنبي للبلاد ستتراجع إلى 151 مليار دولار بنهاية العام 2015 ثم تصل 121 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2016 بعد أن كانت 193 مليار دولار نهاية 2014.

وتضمن قانون موازنة 2016 الذي رفضته المعارضة، زيادات في الضرائب والجمارك وأسعار الديزل والكهرباء المدعومة من قبل الدولة، والتي تقول الحكومة إنها لن تمس الفئات ضعيفة الدخل.

وفقدت الجزائر مطلع 2015 الكاتبة الشهيرة آسيا جبار والتي توفيت في 8 فبراير/شباط 2015، عن عمر ناهر 78 سنة بأحد مستشفيات باريس .

وتعد الراحلة جبار أول امرأة عربية تدخل اكاديمية الأدب الفرنسي الراقية عام 2005 وترشح لجائزة نوبل للآداب كما اشتهرت بالرواية وبكتابات ادبية في مختلف المجالات، وكذا دفاعها المستميت عن حقوق المرأة لدرجة وصفها بـ"محامية النساء"، من قبل ناقدين وكذا "المرأة المقاومة" لنضالها من اجل استقلال الجزائر عام 1962.

كما فقدت الجزائر في نهايتها وبالضبط في 23 ديسمبر/كانون الأول 2015 "حسين آيت أحمد" أحد أبرز قادة ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي (1954/1962) الذي يوصف بأقدم معارض لنظام الحكم في البلاد، وذلك بعد معاناة طويلة مع المرض في منفاه الإرادي بسويسرا.

ووصف الرئيس الجزائري أيت أحمد بالقامة التاريخية وانه "معارض شريف" وذلك في رسالة تعزية لأسرته.