ملامح أول إمبراطورية في التاريخ تتكشف جنوب العراق

مثقفون يريدون تأصيل هوية شاملة تجمع كل العراقيين

الناصرية (العراق) - بعد عقود من الإهمال والتخريب التي تعرضت لها آثار العراق تلوح في الأفق صحوة دولية للتنقيب في الجزء الجنوبي منه، إذ باشر عدد من البعثات الأميركية والايطالية والفرنسية التنقيب في مدينة أور في الناصرية.

على مقربة من زقورة أور، يمضي عبد الأمير الحمداني، المدير السابق لمفتشية آثار ذي قار، معظم وقته بالعمل مع فريق البعثة الدولية التي تواصل موسمها التنقيبي الثاني.

الصدمة الكبيرة التي أحدثها قيام تنظيم الدولة الاسلامية بتحطيم رموز الحضارة الآشورية في نينوى، دفعت بالرجل إلى الانحياز لمستقبل ابنه الصغير "أوروك" الشغوف بحكاية كلكامش، فترك نيويورك التي نال في جامعتها شهادة الدكتوراه في الآثار والانثربولوجيا، وعاد إلى مدينته الناصرية على أمل توظيف خبراته العلمية في ميدان عمله الآثاري.

يرى الحمداني أن الرد الأمثل على الهجمة الكبيرة على حضارة العراق هو بذل المزيد من الجهد لخدمة تراثه الثقافي العريق، اكتشافا وتنقيبا وصيانة، لأنها الهوية الأشمل التي تجمع العراقيين.

ويعكس توافد البعثات التنقيبية الدولية على الناصرية الأهمية الاستثنائية التي تحظى بها محافظة ذي قار باعتبارها إحدى أغنى المحافظات العراقية بالمواقع الاثارية، إذ تضم نحو 850 موقعا اثريا موزعة على مناطق مختلفة يعود معظمها إلى عصر فجر السلالات والحضارات السومرية والأكدية والفرثية، وتضم بيت النبي إبراهيم وزقورة أور الشهيرة والمقبرة الملكية وقصر شولكي ومعبد "دب لال ماخ" الذي يضم أقدم قوس عمراني في العالم.

وبرغم الجهود المتواصلة في مجال التنقيبات الاثارية فان هناك الكثير من العمل ينتظر الفرق التنقيبية الدولية بالنظر لقلة ما هو مكتشف حتى الآن، ويوضح الحمداني لموقع "نقاش" الاخباري ان "المواقع التي تم التنقيب فيها لا تتجاوز18 موقعا من مجمل المواقع الموجودة في المحافظة، أي بنسبة اثنين بالمئة تقريبا".

عمل البعثات التنقيبية الدولية في ذي قار يأتي في إطار اتفاقيات موقعة مع دائرة الآثار ومحددة بسقوف زمنية، ويتضمن الاتفاق إشراك كوادر محلية ترافق أعمال البعثة بما لا يقل عن أربعة آثاريين في كل موسم بهدف تنمية خبراتهم وتعزيز صلتهم بالخبرات العالمية في هذا الميدان.

وصال نعيم من مفتشية آثار ذي قار تقول ان "عملي مع البعثة الدولية منحني كثيرا من المعلومات حول طبيعة التنقيب باستخدام التكنولوجيا الحديثة سواء في مسح المواقع أو فحص التربة، فضلا عن إدارة موقع التنقيب واستظهار اللقى والهياكل والرقم الطينية".

بداية اكتشافات مهمة

أنهت بعثة التنقيب الفرنسية موسمها التنقيبي الأول في مدينة تلّو الأثرية، على أن تعود لاستكمال عملها في العام المقبل والذي يستمر مدة خمس سنوات، فيما عثرت على 150 قطعة أثرية شملت أختاما وجرارا ومنقوشات توضح ان المدينة كانت عاصمة دينية في عصر فجر السلالات وتحديدا في العام 2500 قبل الميلاد، فيما تعود آخر محاولة تنقيب فرنسية في المحافظة إلى 82 عاما مضت.

كما تعمل البعثة البريطانية التي تترأسها الخبيرة الدولية جين مون منذ ثلاثة مواسم في موقع تل خيبر الذي يقع على مسافة 30 كلم شمال غرب أور على ضفة الفرات، ويعود هذا الموقع إلى عصر سلالة البحر الأولى، بحدود القرن السابع عشر قبل الميلاد.

ومن الكشوفات المهمة العثور على وحدة إدارية تشغل ثلث مساحة الموقع البالغة ثمانية دونمات، استخدمت في السيطرة على النقل النهري والتحكم بتبادل البضائع بين أور والمدن التي تقع على شمالها مثل لارسا وأوروك.

وتنهي البعثة الايطالية التابعة لجامعة روما التي زارت مدينة الناصرية في الأعوام السابقة موسمها التنقيبي الخامس في موقع أبو طبيرة ( 8 كم جنوب الناصرية) والذي يعود إلى عصر الملك سرجون الأكدي، أي حوالي 2500 قبل الميلاد.

ويشغل الموقع المذكور مساحة تصل إلى أربعين هكتارا، وهي مساحة كبيرة قياسا لمساحة منطقة أور البالغة ستون هكتارا، لذلك فإن خطط البعثة تمتد لخمسة أعوام ضمن اتفاق مع الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية.

وذكر فرانكو دي اوغستينو رئيس البعثة انهم خلال التنقيبات توصلوا إلى كشوفات مهمة وقال "عثرنا على وحدات بنائية بمساحة 700 متر مربع تضم أكثر من عشرين غرفة تؤدي وظائف مختلفة، مثل الطعام والخزن والمنام، فضلا عن 25 قبرا، من المرجح انها ستظهر طبيعة التمايزات الاجتماعية والاقتصادية للسكان في تلك الحقبة التاريخية".

وقال انه "من المؤمل ان تترك نتائج العمل الميداني بعد تحليلها في مختبرات خاصة أثرها على فهم مراحل التاريخ غير المدوّن للحضارة السومرية، فبعض الكشوفات الأثرية تشير إلى أن مرحلة تحوّل ذات أهمية كبيرة ما بين نهاية فترة السلالات الأولى (2350-2800) قبل الميلاد وبدايات عصر المرحلة الاكدية، يمكن ان تقود الباحثين للتعرف على بدايات تشكل عصر الدولة الاكدية (أول إمبراطورية في التاريخ البشري) من واقع الدويلات الصغيرة".

وحول التقنيات الجديدة المستخدمة في عمل البعثة، يوضح دي اوغستينو "أنها المرة الأولى التي تستخدم فيها تقنيات متطورة لقراءة آثار ذلك الماضي البعيد، فإلى جانب دراسة عظام الإنسان والحيوان وبقايا النباتات تتم دراسة الصناعات الحجرية المستخدمة في الأعمال اليدوية أو لأغراض الصيد، وكذلك تحليل بقايا الفخار واللقى المختلفة".

وليس بعيدا عن البعثة الايطالية، تواصل البعثة الدولية لجامعة نيويورك منذ العام 2011 عملها في محيط مدينة أور التي لا يتجاوز المنقب منها خمسة بالمئة فقط منذ ان غادرها العالم البريطاني السير ليوناردويلي عام 1934.

وأجرت البعثة التي تترأسها خبيرة الآثار إليزابيث ستون التي سبق لها التنقيب في موقع تل الصخرية (2 كلم جنوب أور) تنقيبات الموسم الأول في قرية تبعد 6 كلم ضمن محيط مدينة أور، متتبعة نمط العلاقات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية بين أور كمركز حضري وعمراني والقرى المحيطة بها.

وبحسب الاثاري عبد الأمير الحمداني المشارك في عمل البعثة، فان البحث يجري حاليا للتوصل إلى إجابات مقنعة عن أسئلة مثارة تتعلق بالعثور على مستوطنة من سلالة أور الثالثة.

وقال الحمداني ان "من شأن ذلك تسليط الضوء على طبيعة العلاقات بين عامة الناس والحكام ومعرفة شكل الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية، فلم يتم الكشف سابقا عن بيوت وحارات سكنية تخص عامة الناس، بل تم التركيز على أبنية عامة منها قصور ومعابد ومقابر".

ويتوقع المعنيون وصول بعثات تنقيب فرنسية وبريطانية أخرى إلى الناصرية للعمل في مواقع اثارية منفصلة شمالي وغربي المحافظة.

هوية إنسانية موحدة

ومن اجل لفت أنظار العالم ومنظماته الدولية إلى ما تعانيه المواقع الاثارية في ذي قار والدعوة إلى شمولها بالحماية من قبل منظمة اليونسكو، شكّلت مجموعة من الناشطين والمثقفين والإعلاميين في محافظة ذي قار لجنة للدفاع عن آثار أور.

ويقول علي شبيب احد أعضاء اللجنة "أعلنت المحافظة عن إنشاء مدينة سياحية بالقرب من مدينة أور لاستقبال السياح الذين توافدوا في السنوات الأخيرة، لكننا لم نلمس شيئا أو أي نشاط استثماري".

وألقت الأزمة المالية في العراق بظلالها على قطاع الآثار والسياحة، وفي أواخر 2014 افتتح معهد الفندقة والسياحة كما حصلت الموافقة على افتتاح كلية للآثار في جامعة ذي قار لتعزيز هذا القطاع الحيوي إلا أن تلك الجهود تلكأت.

ويصف حسن الوائلي رئيس لجنة الثقافة والإعلام في مجلس المحافظة قرار الحكومة المركزية بدمج وزارة السياحة والآثار مع وزارة الثقافة بالخطأ الكبير، ويقول أنه "تهميش لقطاعي السياحة والآثار اللذين يعتبران منجمي ذهب ولهذا حصل ضعف في التخصيصات المالية".

وتبدي الخبيرة الاثارية ليشا وهي المدير الحقلي للبعثة الايطالية تأثرها لما لحق بآثار العراق من إهمال وتدمير قائلة ان "ما حصل للتراث الرافديني من تدمير يمثل لكل إنسان معني بإنسانيته أسوأ ما في كوابيس البشر، إنها خسارة كبيرة".

في 2003، أسهم دخول القوات الأميركية إلى العراق في انفلات أمني تعرضت خلاله العديد من المواقع الاثارية إلى عمليات نبش عشوائي وتجاوزات وسرقات من أشخاص يقطنون قرى مجاورة.

يقول الحمداني "شملت الأضرار نسبة أربعين بالمئة من مجمل المواقع الأثرية بالمحافظة، وبلغت حوالي 70 كلم مربع من المساحة السطحية للمواقع".

الحمداني يلفت إلى أضرار أخرى لحقت بالمواقع الاثارية جراء الاستخدام العسكري للمنطقة المتاخمة لمدينة أور خلال الحربين الأخيرتين وانتشار مخلفات الأسلحة والمشيدات التابعة للجيش العراقي السابق.

مع ذلك فأن عمل البعثات التنقيبية يمنح شعوراً لدى مثقفي المحافظة بانبثاق هوية تاريخية موحدة للعراقيين.

يقول أمير دوشي، الذي عمل مستشارا إعلاميا للبعثة الايطالية "من الضروري البحث عن شيء موحد بين العراقيين في زمن الفتنة الطائفية، فالتراث الرافديني عامل موحد للجميع".

وفي كل مرة يحرص دي اوغستينو قبيل عودته إلى روما على لقاء أصدقائه من المثقفين العراقيين بالناصرية، وهو يشاركهم الجلوس في مقهى الأدباء المتواضع ويجيب عن أسئلة من يتحلقون حوله.

يؤكد فرانكو لأصدقائه ان الغرض من التنقيب هو محاولة قراءة الماضي وكتابة غير المدوّن منه، فالأمر المهم الذي يستحق أن نمنحه جلّ اهتمامنا هو الإنسان وتاريخه وليس البحث عن الفخار أو اللقى.