التعليم في مصر والخلايا العائمة

هل فطنت حكومات مصر المتعاقبة منذ إسقاط مبارك ونظامه وصولا إلى حكومة المهندس شريف إسماعيل إلى حقيقة تقارب اليقين بأن التعليم شرط أساسي لمجتمع يسعى إلى التنامي والارتقاء؟ وهل علمت أن التعليم يعد بمثابة تأمين إنساني ومن أهم مواد وعناصر وعوامل التقدم والثروة، أكاد أجزم بأن هذه الحقيقة بعيدة تماماً عن أذهان حكومات مصر المنصرمة بصفة عامة ووزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي بصورة استثنائية خاصة، لاسيما وأن هذه الوزارات والحكومة بأسرها تعاني خطورة تقييد المعرفة والعلم وفق برنامج سياسي معين وبالطبع لن تتحقق تنمية تعليمية مادام أي وزير يأتي عبر قناة سياسية موجهة حتى وإن أعلن أنه يمتلك روية ورسالة تعليمية نهضوية تتكيف مع متغيرات ما بعد ثورة يناير وإزاحة النظم التعليمية المتوافقة مع سياسات النظام البائد.

وليس بجديد أن نبرهن على دور التعليم في تحطيم حواجز الخوف وتفجير طاقات الأمل لدى نفوس الناشئة من الطلاب والطالبات، كما أنه ليس بمستحدث أن نشير إلى ضرورة التأكيد على أن للتعليم دوراً في تشكيل عقلية الأمم وصناعتها. لكن هذا التأكيد وتلك الإشارة تعدان نوعاً من التنبيه على ما آل إليه وضع وحال التعليم قرابة أربة أعوام من مرور الثورة المصرية بيضاء البداية حمراء الوسط والنهاية ثورة يناير التي سنحتفي بذكراها الشهر القادم، فلقد بات التعليم للقاصي والداني على أرض مصر قنصاً ثميناً وسميناً أيضاً وصار مطمحاً رئيساً من مطامح التيارات والقوى السياسية التي تتناحر جاهدة برؤى متباينة الثورة حيناً وتطبيق شريعة وحدود الله أحياناً أخرى.

وأضحى مناسباً اليوم أن نعجب ويصيبنا العجب بعبارة الثورة مستمرة تلك التي تتصدر لافتات الثائرين والمعتصمين وأساطين مستخدمي التويتر والفيس بوك، هذا الإعجاب ليس مفاده سحر العبارة ذاتها بل لأن المصريين لا يزالون أنفسهم مستهيمين بكاريزما الثورة وهم بالفعل لهم كل الحق في ذلك فغالبية الشعب الآن من طلاب الجامعات وحتى الملتحقين ببرامج الدراسات العليا الكاذبة بالجامعات المصرية الأكثر كذباً وتضليلاً للعلم والمعرفة، لم ينتموا تاريخياً إلى ثورة يوليو وهم بالقطعية لم يعاصروا ولو ذهنياً وأيديولوجياً ثورة 1919، لذا فإنه من البدهي انجذاب عموم الطلاب للثورة المعاصرة مفهوماً واكتساباً وممارسة أيضاً.

لكنه من العجيب أن تبقى الثورة مستمرة إلى حين القضاء على كل مظاهر الفساد السياسي والظلم الاجتماعي لأننا حقيقة غير مفطورين على الديموقراطية وأن النظام السياسي البائد ـ نظام مبارك ـ ومرورا بفترة حكم الجماعة لمصر بسياساته التعليمية والثقافية والإعلامية سعى سعياً حثيثاً لتأهيل شعب بأكمله يجهل مواضعة الديموقراطية وممارساتها وطرائق وسبل تعليمها لغيره، وخير دليل على ذلك أننا بالفعل تمرسنا في غضون ثمانية عشر شهراً ويزيد عقب ثورة يناير على احتراف الفوضى وتطبيقها باحترافية وكفاءة غير مسبوقة وبات الجميع وقتها يتسابق في نيل شرف إحداثها وتجير شرارتها الأولى.

وكنا نظن أنه بعد إعلان الجمهورية الثانية لمصر سنرى ثورة مطابقة للسياق الثوري التاريخي في ميدان السياسة لكننا اصطدمنا بواقع تعليمي يؤكد أن المنظومة التعليمية بأكملها ستظل في حالة انتظار دائمة. وسيظل ملف التعليم هو الأكثر حضوراً رغم غيابه غير المبرر، وكأن مصر حقاً على موعد مستدام بتغييب حضور التعليم في المشهد عمداً وقصداً بغض النظر عن فعاليات التطوير التي لا تخرج عن فلك الحجرات الضيقة.

ولاشك أن المنظومة التعليمية في مصر تعاني خللاً واضحاً وترهلاً يبدو مقصوداً في بنيتها بغير استثناء في المرحلتين الجامعية وما قبل الجامعية، فبداية من معلم أو أستاذ أكاديمي هو بالأساس وسيط تعليمي في وسط ومناخ متحرك متدافع إلا أنه في مصر تحديداً يقف حجر عثرة في طريق أي تقدم أو تحرك إيجابي، وهذا ليس بكلام مسترسل؛ فالتقارير التي كانت تعدها كافة منظمات المجتمع المدني المعنية والمهتمة برصد واقع المعلم وكذلك استطلاعات الرأي الممولة من الوكالة الأميركية للتنمية تشير جميعها منذ عام 2008 وحتى الآن أن المعلم في مصر يعاني قصوراً سافراً وصارخاً في إعداده الأكاديمي والثقافي والتربوي وهذا يجعلنا نؤكد أن التدريس اليوم أصبح مهنة من لا مهنة له وهي عبارة ليست مطلقة بل تؤكدها بيانات المعلمين الذين التحقوا بالخدمة منذ أكثر من عشر سنوات.

فالجامعة التي تؤكد ليل نهار أنها ترتقي بمستوى التنمية المهنية للأساتذة وأعضاء هيئة التدريس غفلت لسنوات طويلة عن عمليات السطو الرقيق للأبحاث والدراسات الأكاديمية وأذكر حينما كنت أدرس بالجامعة طيلة تسع سنوات كيف كنت أرى بعيني أساتذة يعدون ويسطرون أبحاثهم على مكاتبهم الخشبية بعيدين كل البعد عن واقع تلك الدراسات وأن ما يخطونه من دراسات هو تجميع ملفق محكم للكتابات المتناثرة على شبكة الإنترنت ويتم ذلك عادة من خلال تسخير عدد هائل من الباحثين وطلاب الدراسات العليا الذين قد يقعوا فريسة في أيدي الأستاذ غير المجتهد.

وأستاذ بهذه العقلية البحثية يمثل خطراً بالفعل على عقول أبنائنا الطلاب لأنه بالضرورة سيعمد إلى خطف عقول طلابه نحو التقاط المعارف بنفس الطريقة السطحية التي يتعامل بها هو مع البحث العلمي، وكم صار مؤسفاً القول بإن الأستاذ الأكاديمي صار موظفاً بالدولة ولم يعد مفكراً أو منظراً أو مؤطراً لقيم فكرية تستحق أن تعيش لسنوات طويلة بعد موته.

ومعلم ما قبل التعليم الجامعي نفسه يعاني هذا الخلل في الإعداد أثناء الخدمة، فمن السفه أن نقوم بتدريب هؤلاء المعلمين على استخدام تكنولوجيا الوسائط التعليمية في التدريس وهو يجهل أساسيات التدريس نفسها بل وبعضهم يعاني قصوراً في إتقان مادته النظرية، والشواهد والأمثلة التي تحفظها ذاكرتي وتعيها جيداً عن كفاءة معلمي اللغة العربية داخل حجرة الفصل والتي تشير دلائلها إلى تدني المستوى المعرفي والثقافي لهؤلاء، وهؤلاء بالقطع هم المعنيون بتعليم أبنائنا وهم في ذلك لا يكترثون أن يلقنوهم قيماً وعادات ومبادئ تتفق مع هويات وطروحات فكرية تبدو متطرفة بعض الشئ من علاماتها المجتمعية قص شعر الطالبات أو ضرب تلميذ أهان تياراً دينياً سلفياً أو آخر أعلن عصيانه الفكري على الجمود في الخطاب الديني المعاصر.

ووسط هذا الخلل المتعمد في المنظومة الثقافية نجد مناهج تعليمية مستعصية على السقوط مثل التاريخ واللغة العربية واللغات الأجنبية بصفة عامة، ونجد على الشاطئ الآخر تيارات وطوائف دينية دخلت مغارة الحياة السياسية وهي تسعى بطرائق خفية ونائمة إلى تطويع تلك المناهج بما يتفق وطرحها الفكري الأصولي الذي قد يبدو أكثر تطرفا، وهؤلاء اليوم أكثر المنادين بضرورة تطوير المناهج بل صار في نظر بعضهم أمراً ملحاً ومشروعاً في الوقت الذي كانوا فيه قديماً يحاربون كل إشارة إلى كلمة تطوير أو تعديل.

وفي ظل هذه المحاولات ظهرت الأصوات الليبرالية التي حذرت من استلاب التعليم والمناهج الدراسية إلى زوايا بعيدة عن مقاصده، وترهب تارة أخرى من سلفية المناهج وتطرح سؤالها المحموم: هل من حق فصيل سياسي توجيه التعليم وفق رؤاه؟ والحق أن هذا الطرح الاستفهامي يبدو واقعاً معاشاً رغم إزاحة بعض الفصائل الدينية السياسية، فبعض التيارات الدينية وجدت في المدرسة ضالتها؛ حيث إن المدرسة هي البيئة الخصبة للترويج لأفكار ومبادئ بغير رقيب إداري لاسيما وأن الوزارة في كثير من الأحايين تبدو غافلة بعض الشئ عن مؤسساتها التعليمية لأنها في حرب مستمرة مع إضرابات المعلمين ومعارك ضارية مع النقابات المستقلة ومطالبها الفئوية البعيدة عن التعليم نفسه ومستقبل الأبناء المعرفي.

وإذا كان حال التعليم في مصر الآن يعاني من أزمات حقيقية يدركها أهل التخصص والمواطن البسيط على السواء، فإن التعليم الديني أيضا لاسيما التعليم المنتسب إلى المؤسسة الدينية الرسمية الأزهر الشريف يعاني مرارات عالقة بات من الصبح الفكاك من شراكها، فبعض رجال الأزهر الشريف يقولون الآن: هناك عدة محاولات خبيثة شريرة ماكرة لقلب نظام الفكر الديني في مصر، وأن هناك عدداً من الجهات الخليجية تدبر محاولة بالتعاون مع نشطاء الإسلام السياسي بالداخل لزعزعة استقرار مؤسسة الأزهر التعليمية وتقويض أركانها المتينة القوية المنيعة،

وعلى الشاطئ الآخر من الذين ينادون بضرورة فرض السيطرة الفكرية والأيديولوجية على الأزهر يرون أن هذه المؤسسة العريقة تاريخياً ظلت طوال الحقبة المباركية نسبة إلى الرئيس السابق حسني مبارك تبارك وتساند وتشجع الرئيس على كل قراراته وتوجيهاته مادامت بعيدة عن مقصلة الدولة البوليسية آنذاك. وبين الشاطئين بحر واسع وعميق به ملايين المواطنين الذين يذهبون للعمل صباحاً ويعودون مساءاً وهم في لهفة لمتابعة أخبار السلطان سليمان وحريمه الحسناوات الجميلات ولا مانع من متابعة أخبار البلاد والعباد من خلال مشاهدة سريعة لبعض برامج الفضائيات المملة والرتيبة والمكرورة، وهؤلاء يمثلون الشريحة الأكبر من الذين يعانون مرض فقدان الوعي بالوطن وما يحدث تجاه الأزهر الشريف.

وأصبح السؤال الأكثر وجوداً بعناوين المانشيتات الصحفية وموضوعات البرامج الحوارية الفضائية هو: هل هناك مؤامرة بالفعل على مؤسسة الأزهر الجامع والجامعة؟ وأن هناك خلايا عائمة لم تعد نائمة لاتزال تعبث بالفكر الوسطي الذي اتسم به الأزهر عبر قرونه البعيدة؟ هذا هو السؤال الذي احتل موقع الصدارة في جميع الصفحات الأولى بالصحف المصرية وكذلك جميع البرامج الفضائية التي لم تجد في السياسة ملاذاً وملجأ لتفريغ الطاقة الإعلامية أو ما يصح توصيفه بالهوس الإعلامي، ومفاد الخبر أن ثمة مؤمرات وليست مؤامرة واحدة تدبر لمؤسسة الأزهر بوصفه المؤسسة الدينية الرسمية للبلاد والمسلمين من العباد وهذه المؤمرات بدأت في الإعلان عن نفسها نتيجة عوامل متعددة أبرزها تصدع الكيان الوظيفي للأزهر والغياب القصدي والعمدي للأئمة والشيوخ المنتمين للمؤسسة العريقة الشاهدة على تاريخ مصر.

وباختزال شديد يمكن تحديد الاتهامات الموجهة لهذه المؤسسة العريقة والتي يستغلها المعارضون لقياداتها والمنادون بضرورة فرض الحراسة والسيطرة على الأزهر ومعاهده وجهاته التابعة في نقاط محددة منها تفاقم حالة الجمود في الخطاب الديني المعاصر، ونكوص وارتداد مجتمعي في الفتاوى والطروحات الفقهية التي رصدها الشارع المصري وغابت عنها المؤسسة العريقة، وتجنب الولوج في مسائل خلافية لاسيما وأن الاهتمام كان ولايزال منصباً على أحداث وإحداثيات المشهد السياسي فقط، وهذا الخطاب رغم ثورة المعرفة والاتصال وتطور نظريات اللغة والحصول على المعلومات ومقارنتها لا يزال أسيراً لجمود اللغة القديمة البيانية التي ترفض المجاز بل وأحيانا تكفر مستخدميه، وكذلك كون الخطاب فريسة لشَرَك (بفتح الشين) الأساليب الخطابية المنبرية التي تصلح لمواجهة جموع غفيرة وهي بطبيعتها أساليب تستهدف الأذن واستلابها قبل العقل وتطويقه، والعين قبل الفكر.

لكن هناك أمور غفل عنها هؤلاء وهي أدعى بفرض الحراسة على المؤسسة وحظر التجوال بداخل معاهدها لا بالمعنى الجسدي بل بالمدلول العقلي المعنوي، فلقد وصل التعليم الديني في المعاهد الأزهرية إلى مراحل أكثر دهشة وأدعى لليأس وعدم التفاؤل ولقد شاهدت بعيني هذا التدهور التعليمي بدءاً من المعلم والطالب وإدارة المعاهد نفسها، بل قد يغضب المؤهلون للغضب بالفطرة والتطبع أيضاً حينما نقول بإن مستوى التعليم الديني في مصر وصل إلى حد التفاهة، بدليل جمود الاجتهاد الديني الذي كان سمة مميزة لمصر وأهلها وفقهائها، بل يمكن أن نغالي القول بإن أنصار هذا الجمود قد تعاظم دورهه بعد استقرار الثورة دونما نجاح ودونما فشل. وللحق يمكننا أن نلتمس العذر لهذا الخطاب الديني الذي صار يعاني جموداً عظيماً، نظراً لانشغال البلاد والعباد أيضاً بأحداث المشهد السياسي، حيث إن الوطن وأهله ما إن يستفيقوا من حدث جلل يعصف بأرجائه حتى يصطدم بحدث آخر.

ومأساة المؤسسة الدينية الرسمية في مصر، الأزهر أقصد، أنها تعاني الازدواجية في التخطيط والتنفيذ، فهناك مشيخة للأزهر تقوم بإصدار تعليمات وتوجيهات وإعداد مؤتمرات فاخرة لتطوير الخطاب الديني والتعليم بالمعاهد التعليمية التابعة له، وأيضاً يوجد قطاع المعاهد الأزهرية المنوط له الالتزام بمتابعة العملية التعليمية وتدريبات المعلم وتطوير المناهج التي لم تطور منذ عقود، لذا فإننا نجد أن هناك تبايناً صارخاً بين الكيانين وهو ما يعكر في النهاية صفو عقل الطالب المسكين الذي هو في الأساس مهمل ومهمش عن حياته وواقعه.

وهذا الهجوم المستمر على مؤسسة الأزهر يساعده عزلة الأزهر نفسه عن واقعه السياسي والاجتماعي، وغيابه غير القصدي عن تطورات الحياة المجتمعية وأسوأ ما نعتقده ونؤمن به ظناً أن نصدق الاحتفالات والمهرجانات والاحتفاءات الدينية التي يقيمها الأزهر بمناسبة جائزة أو مناسبة أو خطاب رسمي فنرى جمعاً من المشايخ الأفاضل، وعدداً لا بأس به من الطلاب المتميزين علماً ومظهراً، لأن وراء هذا كله معاهد أزهرية نائية بفعل فاعل مجهول تعاني حصاراً معرفياً وتقنياً وتربوياً وربما إنسانياً أيضاً.

ولأن الوطن يفرض علينا واجبات حتمية تتعدى إظهار العيب والنقيصة أو تقديم الحذر والحيطة تجاه الأزهر من سعي بعض تيارات الإسلام السياسي باقتناصه والقفز على كرسي المؤسسة الدينية الرسمية، فالواجب يقتضي التنبيه على قيادات الأزهر الشريف بترك الدفاع عن الاتهامات التي تكيل لهم ليل نهار بالصحف والفضائيات والعمل على تطوير التعليم الديني بالمعاهد الأزهرية، والأخذ بكل المعطيات الحديثة تربوياً وتعليمياً والتي تخدم وتتوافق مع طبيعة الدراسة الأزهرية، مع توحيد الجهود الوطنية لإعداد متعلم واع يخدم دينه أولاً ثم وطنه، وأن يتسلح بفكر ديني وسطي مستنير وهذا لن يتحقق إلا بدراسة جادة واعية، ومتابعة مستمرة وتوجيه مخلص مفيد والنظر بدقة إلى الكفاءات المهملة داخل الأزهر الشريف والتي لا تجيد الظهور أو المجاملة، وإذا كانت هناك أصوات من داخل الأزهر الشريف نفسه تطالب بالإصلاح والتطوير فعليها أن تدرك خطورة استجداء النجاة من خارج المؤسسة لأن أهل مكة أدرى بشعابها، وهؤلاء هم أحق الناس بمعرفة أوجه القصور التي تحتاج إلى علاج أو تعديل.