وما قصرت أعمارنا إلا حباً في مصر

أحد الأصدقاء من الإعلاميين المخضرمين، يشغل منصباً مرموقاً، رغم ما يجمعنا من مشاعر الإخوة الصادقة والمودة الدائمة، يتهرب عن نشر مقالاتي في المجلة التي يترأس تحريرها ويُشرف عليها، وقد باح لي عن السبب الذي دفعه إلى اتخاذ هذا الموقف من كتاباتي التي لا تحمل في طياتها غير انفعالات المواطن المحب لوطنه، الحزين على ما آلت إليه أحواله بين الأوطان، حيث أفضى لي بكل رفق بأن نبرتي عالية وتلك النبرة ليست مطلوبة، ومؤخراً أسدى لي نصيحة أخوية فحواها فكرة لمجموعة من المقالات عنوانها: كيف نحب مصر؟

صدمتني تلك النصيحة وشككت في نفسي، ما دفعني إلى العودة إلى مقالاتي القديمة والحديثة بحثاً عن هفوة أو شبهة تصنفني بين من لا يكتبون في حب مصر، فوجدت أنني أتوجه دائماً بكل الأدب والاحترام، مستنجداً ومستجيراً بالسادة المسؤولين وعلى رأسهم السيد رئيس الجمهورية باعتباره رئيس السلطة التنفيذية وهو الذي يملك وحده دون غيره أن يأمر بإتيان الأفعال أو الامتناع عن إتيانها، ولكنني اكتشفت أن مشكلتي تكمن في ثقتي المبالغ فيها في أن السيد الرئيس يشاطرني الحنق على الفساد وإنه يتوق إلى تحقيق العدل باتباع أساليب الحكم الرشيد التي أوحى للشعب بإيمانه بها منذ البيان الشهير الذي شخص حالته بأنه لم يجد من يحنو عليه، فما كان من الشعب إلا أن بكى من فرط التأثر وما زال يبكي منتظراً جرعات الحنان.

والحقيقة أن الساحة الإعلامية المصرية بها من الفوضى والارتجالية ما يؤهلها إلى استجلاب النقمة والعداء من الجميع، خصوصاً وأنها بعد إلغاء وزارة الإعلام أصبحت كالطفل اليتيم الضال الذي لم يعد يجد من يُشرف على تربيته أو إصلاحه، الأمر الذي أدى إلى تباري أكثر من جهة في الدولة لاستغلال هذه القوة الإعلامية السائبة بلا راعٍ، والمنطلقة بلا كوابح، والتائهة بلا رقيب، وتلك الجهات تحركها طبيعتها العملية، وثقافتها الفكرية، البعيدة كل البُعد عن المهنية الإعلامية، ما أدى إلى تصنيف من ينتقدون أداء الدولة ضمن الكارهون لمصر.

إن هذا الاختزال المخل أدى ببساطة إلى ذوبان كيان الوطن في شخص الحاكم، وتلك الفكرة الضاغطة تتشابه إلى حد كبير مع ما كان ينادي به الإخوان المسلمون في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، من حيث ذوبان الدين في شخصه، فمن ينتقد مرسي كمن ينتقد الإسلام.

فإذا كان الرئيس يبغض هذا الأسلوب، وتبنى فكرة تحديث الخطاب الديني بما سيؤدي عملياً إلى الفصل بين الدين والدولة، فلا أقل والحالة هكذا، من أن يتم الفصل أيضاً بين الوطن وبين الرئيس، فالوطن هو الثابت في تلك المعادلة بينما الرئيس هو المتغير، وعلى حد علمي المتواضع فإن أهمية الثابت تفوق أهمية المتغير بصورة مطلقة لا جدال فيها.

خلاصة القول، إن حب مصر لا يمكن أن يكون باختلاق إيجابيات للتغني بها، وغض النظر عن سلبيات المشهد الحالي التي فرضت نفسها، فالأولى إن وجدت، تبرزها نتائجها، بينما الثانية وقد سادت تحاول أن تخفيها كوارثها، ولذلك فإنني أعتذر لصديقي العزيز عن الأخذ بنصيحته، ويكفيني فخراً أن أكتب لأنني أحب مصر ويؤلمني كثيراً أن لا أراها في مكانها الطبيعي بين دول العالم، خصوصاً وأن الله قد حباها بخيرات جغرافية وطبيعية وبشرية لم يهب مثلها لغيرها، وحين أرى أبنائها يسيئون عمداً استغلال ما بأيديهم من وسائل التقدم والرقي والازدهار، ويؤثرون مصلحتهم الشخصية على مصلحة الوطن، أدرك على الفور أن هناك خللا قاتلا، وخطأ فادحا، وذنبا لا يغتفر، فأين يكمن يا ترى؟ ربما يجعلني ذلك أهدي صديقي وغيره من أصحاب النبرة الهادئة، بفكرة سلسلة مقالات عنوانها: كيف ننقذ مصر؟