جمالية التحول الرمزي .. دراسة في تجربة خليفة الوقيّان الشعرية (4/ 7)

همّنا ألّا نرى وجهك

• الغول إشارة جماليّة ورمز فنّيّ:

يشترك الرّمز الفنّيّ مع الإشارة الجماليّة في بعض الصّفات حين تجسّد قيمةً من القيم الجماليّة كالجمال والقبح والجلال والبطولة.

و"يمكن أن تبدو ازدواجيّة الإشارات الجماليّة بوضوح خاصّ من خلال مثال ذلك الدّور الذي أدّاه ويؤدّيه الرّمز في الفنّ. فيمكن له أن يحمل القارئ أو المشاهد إلى مجالات اللّامعقول وأن يبقى في الوقت نفسه وسيلة تعميم للواقع. نقلت رموز العالم القديم الميثولوجيّة، وكذلك شخوص دانتي، غوته، بايرون، وغيرهم من الخصائص الواقعيّة للناس وعالمهم الدّاخليّ.

وعبّرت أعمال ذات مواضيع دينيّة لفنّانين بارزين بقوّة مذهلة عن أحاسيس ومشاعر وصبوات إنسانيّة. مثال ذلك لوحات رافائيل، ميكل أنجلو، أندريه روبلوف وفنّانين آخرين".

يحضر "الغول" رمزاً فنّيّاً أو إشارة جماليّة في نصّ "رسالة إلى مخبر بدويّ" من مجموعة "تحوّلات الأزمنة"، مثلما يحضر في نصّ "إشارات" من مجموعة "حصاد الرّيح"، وفي هذا المجال أودّ أن أشير إلى التّحوّل الرّمزيّ في دلالة رمز فنّيّ واحد هو "الغول" في نصّين من مجموعتين شعريّتين مختلفتين، بعد أن أشرت من قبل إلى التّحوّل الرّمزيّ الواضح في دلالة العنوان في المجموعتين.

يبدو التّناسب الطّرديّ في التّحوّل الرّمزيّ للدّلالة واضحاً من مجرّد انتماء نصّ "رسالة إلى مخبر بدويّ" إلى مجموعة "تحوّلات الأزمنة"، وانتماء نصّ "إشارات" إلى مجموعة "حصاد الرّيح"، فوجود المخبر البدويّ أمر طبيعيّ، بل منطقيّ في الأزمنة المتحوّلة، والتّناسب الطّرديّ بين وضوح دلالة عنوان المجموعة وعنوان النّصّ داخلها جليّ ظاهر.

وكذلك يبدو أمر التّناسب الطّرديّ في عنوان مجموعة "حصاد الرّيح" ذي الأبعاد المجازيّة المخاتلة في الدّلالة مع دلالات عنوان نصّ من نصوصه "إشارات" بأبعاده الدّلاليّة المفتوحة على عدد كبير من التّأويلات، فالأبعاد المجازيّة في دلالة عنوان المجموعة يتناسب معها انفتاح على التّأويل في دلالة عنوان نصّ من نصوصها.

لا تمنع المرجعيّة الأسطوريّة مع دلالة القبح الشّيطانيّة التي تشكّل جزءاً مشتركاً من دلالة رمز "الغول" الفنّيّ بين النّصّين من البحث عن التّحوّل في دلالة هذا الرّمز بين مجموعتين، ومن الدّلالة المشتركة لهذا الرّمز بين نصّين أن "يتضمّن الخيال المفترس للبشر صور التّعذيب وبتر الأعضاء، وأيضاً ما يعرف باسم تمزيق جثّة الضّحيّة وتقطيعها إرباً، وهي صورة قائمة في أساطير أوزيريس وأورفيوس.

ويمتّ إلى هذا النّوع غول الحكايات الشّعبيّة، وكذلك سلسلة الأشرار التي تتعامل باللّحم والدّم. فهنا نجد مرّة أخرى الشّكل الذي وصفه فريزر بأنّه الشّكل الأصليّ في التّاريخ، إنّما هو الشّكل الشّيطانيّ الجذريّ في نظر النّقد الأدبيّ.

يحضر الغول الفتّاك بالبحّارة والمسافرين معادلاً موضوعيّاً لشخصيّة "المخبر" التي تفتك بركب المسافرين عبر الحياة برّاً وبحراً في نصّ "رسالة إلى مخبر بدويّ"، وإن كان ارتباط الغول ببيئة البحار والمحيطات أقوى وألصق، فيتوجّه الوقيّان بالخطاب إلى "المخبر" ويوضّح له انكشاف أمره على النّاس، ويشرح له حالة الضّياع التي رضي لنفسه أن يعيشها، ثمّ يحاول ثنيه عن أفعاله من خلال التّودّد إليه بعبارة "يا صديقي" وتذكيره بعزّة الأجداد وبقايا عزّة حياة الصّحراء التي ينتمي إليها، ثمّ يصل النّصّ إلى درجة من التّحوّل في الدّلالة من خلال حضور الرّموز التي تشير، وبشيء من الوضوح، إلى التّفاؤل والرّغبة بالانتفاض في وجه المخبر والخلاص من شروره قائلاً:

همّنا ألّا نرى وجهك

في كلّ مساء يتجهّم.

همّنا أن نشهد الأطفالَ

في كوخك

كالأطفال في البيت المنعّم.

فاذهب الآن ونم

واحلم بما قد كنت تحلم.

بالرّبيع الأخضر الضّاحكِ

بالأمطارِ

بالسّرح المسوّم.

بابتسام البدر في الأفقِ

كمعشوق تلثّم.

بحديث الصّحبِ

كالسّكّر

عن مجدٍ تهشّم.

تشكّل رموز التّفاؤل والرّغبة بالخلاص من (الحلم، الرّبيع، الأمطار، السّرح، البدر، السّكّر) تمهيداً للولوج في حالة من حالات صراع الأضداد وتناقضاتها في الحياة عندما يلقي رمز الغول بثقله في النّصّ رمزاً للشّرور وأقوال الإفك التي يختلقها المخبر الدّجّال، حيث يحاول من خلالها إسقاط ما يتمتّع به من صفات هدم سلبيّة على ضحايا كذبه وزيف ادّعائه حين يصوّر الضّحايا البريئة كالتّنين المفترس أو كالغول القادم من وراء البحار مسقطاً صفاته الدّنيئة على الضّحايا البريئة، فتعلو حدّة الخطاب مشحونة بنبرة الشّماتة والسّخرية في المقطع الأخير من النّصّ السّالف:

وإن غداً جئت تسرد القول المرجّم.

قل لهم ما شئتَ

ما شاؤوا

وما لم تكُ تعلمْ.

قل، وقل.. حتّى ترى للدّارِ

للأطفال للصّحراءِ

في جوفك مأتمْ.

قل.. وقل ما شئتَ،

لكنْ حين تندمْ

قل لهم إنّ وراء البحر ت أن يطفئ الشّمسَ

وأن يسرق من طفليَ قوتَه

قل لهم إنّ وراء البحر غولاً

يتقدّم.