هل رغبت جماعاتنا، أصلاً، في إقامة مجتمع مدني؟

سؤال ما كان ممكناً طرحه قبل خمس سنوات، ولا قبل خمسين سنة، وإلا لقوبل طارحه، على الأقل من قِبَل اليساريين والتقدميين ومن لف لفهم، بالويل والثبور وعظائم الأمور، وعلى الرغم من قِدَم التعبير فهو ينتمي إلى الأصالة التي دُخنا "السبع دوخات" لإيجاد رابط لها بالمعاصرة بعدما أعيتنا الحداثة بعدم انطباقها مع ثوابتنا، فكان أن هجرناهم جميعاً لأن التالي كان أعظم.

من الطبيعي أن تفخر، أيّ جماعة من جماعاتنا التاريخية وأيضاً تلك ذات الفعالية الاقتصادية الحديثة، بذاتها وتعتز بكيانها. إنما السؤال الذي ما كان يُطرَح - وإلاّ- هل سبق أن مالت جماعاتنا - بقضّها وقضيضها – إلى حُسبان نفسها جزءاً أساسياً من المجتمع الذي تعيش فيه؟ بالتالي، تعمد إلى دعم وإسناد مؤسساته ليغدو مجتمعاً مدنياً بحق؟

لنكن واقعيين، إذ أن التعامل مع مؤسسات الدولة، إطار المجتمع ومبعث ارتقائه، كان يتم على طريقة احتمال الشر الذي لابدّ منه! وعليه كانت البراعة في التحايل على القوانين مدعاةً للفخر، وما من داع للاستتار. فهذه الدولة وُجِدَت هكذا! لتجمع المال "منّا"ّ! لتدفع لموظفيها الذين مهمتهم جمع المال للدولة، وليتهم يقولون الحكومة، غير أنه ما من فاصل في الذهن بينهما.

الأصل أن نقول "نحن" إنما يجري الحديث عن آخرين لفظاً أو تلميحاً أو إشارة أو غمزاً. غير أن الآخرين ليسوا هم هُم في كل مرة، فالتوجه يشمل أطرافنا جميعاً بحسب الحال، مع التقرب، أحياناً، من طرف دون أطراف أخرى! ادعه تحبباً، أو ادعه رياءً، أو ادعه ما شئت، فقد جعَلنا رفضُنا، اعتبار الآخر/الآخرين شريكاً بتمام الحصة، متعددي الأوجه والألسنة، نلوّن حديثنا وفق المقتضى، نغتاب الغائب، ونُفرِط في مجاملة الحاضر، ونقول ما لا نفعل!

سيكون من غير اللائق، بل من السخف، ذكر ما تنسُب جماعاتنا نفسها إليه، فهو مكرر معاد إلى حدّ الابتذال، وفي مثل هذه الحالة يُمكن نفي "في الإعادة إفادة".

لو حدث أن جادلت أحداً في مؤدى كلامه، أو مراميه، لواجهت العجب العُجاب، ستتكشف لك أولاً ضحالته فيما يخص أقواله من فِكَر، عندها سيلجأ إلى اعتبار النقد موجّهاً إليه شخصياً، مع أنه دار حول كلام قيل فقط. وهذا الحال يشمل المسؤولين والمديرين الذين يعتبرون أي كلام عن دوائرهم ومجالات عملهم أو نفوذهم، انتقاصاً منهم، وكأنهم المنزهون عن الوقوع في الخطأ، أو أن وجودهم - الشخصي- في الإدارة مانع لحدوث الأخطاء.

لنُعد التأمل في أي شعار مطروح، ولنتساءل: هل هذا شعار تطلقه جماعاتنا جميعها، أم سنجعلهم جميعاً يعتمدونه، كما كان الشأن في محاولات سابقة، بعد العمل على تأكيده لفظياً، ومن ثم إخراج مفهوم الشعار عن مرماه النظري، بأن نوجد لنضالنا هدفاً متخيلاً لنصارعه؟ غير قادرين، في غمرة الوهم والنشوة الكاذبة، على رؤية ما يفعله سوانا، ومدى نجوع أو فعالية خطابه. حتى صار ما صار.

يتوهم البعض أننا استيقظنا، ونحن ما نزال في غمرة كابوس يسدّ علينا سبيل فهم المثل القديم "يداك أوكتا وفوك نفخ". فأيدينا صنعت كراهية الآخر، وأفواهنا نفثت سموم الحقد.

ما من حل قبل اعترافنا بتقصيرنا في دراسة واقعنا المجتمعي بمنهجية، والعمل على تحليل عناصره، بصوت مرتفع، والثقة بتفهّم شركاؤنا في المجتمع وملاءتهم، بعيداً عن نظرية المؤامرة - السهلة التناول والتداول - وتعليق غياب وعينا وتقصيرنا عليها، فالاعتراف بالخطأ فضيلة تُيسّر لنا سُبُل تصويب مسار مجتمعنا، الذي لا يختلف عن المجتمعات المتقدمة، إلا بكون جماعاتها، ذات الخصوصية، اندمجت في مجتمعاتها فعلياً، حتى لا تكاد تبين فرادتها إلا من خلال قراءة متخصصة للتاريخ والأنتروبولوجيا.