عرب بلا سوريا

هل يمكن ان يأتي يوم على العرب يجدون انفسهم بلا سوريا؟ سؤال افتراضي تطرحه وقائع الازمة السورية المعقدة والممتدة لاكثر من اربع سنوات خلت. وببساطة شديدة اذا سايرنا التصريحات التي تقول بزوال بلدين عربيين على الاقل من الخارطة فسنكون ازاء جدل يتعلق بمقومات الدولة التي تؤهلها للبقاء في ظل هذه المتغيرات التي وصلت الى مرحلة زوال الدول والغاء الحدود، كان ذلك عشية سقوط الموصل العراقية عندما صدرت صحيفة تايم الاميركية بغلاف لخارطة العراق والنار تحيطها من كل جانب وبعبارة كبيرة كتبت: نهاية العراق، وكذلك الامر بالنسبة لسوريا.

هنالك من يرى ان المضي في الشعارات العروبية هو الحل حفاظا على وحدة التراب الوطني، هذا ما تلهج به البيانات التي سمعناها ونسمعها بشكل متوصل طيلة عمر الازمة السورية، في موازاة من يقول ان سوريا الجديدة ستتكون من عدة دول او اثنيات وعرقيات لا يبقى للنظام منها غير جزء من دمشق وجزء من اللاذقية، واما قصة نعي اتفاقية سايكس بيكو وان عمرها الافتراضي يكون قد انتهى مع نهاية هذا العام فهي قصة اخرى تزيد الطين بلة.

ما بين هاتين القوتين المتعاكستين، المتمسكة بوحدة سوريا ارضا وشعبا وتلك التي تنعي ذلك وتعدّه من الماضي ثمة مفاوضات مقبلة في جنيف، صداع جديد يضرب ساسة دول المنطقة بعيد صدور قرار مجلس الامن الاخير 2254 والقصة في محصلتها ان العزف مازال على وتر الحفاظ على وحدة اراضي وشعب سوريا وان آن الاوان للتفاوض بين النظام والمعارضة لتحديد مستقبلها.

اذا مضينا ابعد من ذلك في حيثيات المرحلة المقبلة: النظام سيشكل فريقه التفاوضي، تلك بديهية، لكن ماذا عن وفد المعارضة؟ من هم ومن الذي سيختارهم؟ واين العرب في هذه المهمة الجديدة لاسيما بعد مؤتمر الرياض الاخير برعاية الملك سلمان بن عبدالعزيز والذي تمخض عن تشكيل وفد تفاوضي وتم تحديدهم بالاسماء لكن اليوم هنالك كلام يدور في الاروقة ان المخوّل الوحيد والمفوّض امميا هو دي مستورا ممثل الامين العام المكلف بالازمة السورية لتشكيل وفد المعارضة.

في ظل وضع مرتبك وضبابي كهذا هنالك من يقول انها خطوة لازاحة العرب اصلا من التدخل في التصورات المتعلقة بالمستقبل السوري ويبدو انهم مهما اصدروا من بيانات وتوصيات فيما يتعلق بالمرحلة المقبلة قد لا تجد لها اذانا صاغية لدى عواصم القرار الدولي الكبرى المتحكمة في مصير الخرائط والحدود وربما المستقبل، في ظل وضع كهذا اتراها رسالة موجهة للعرب ان يبدأوا مرحلة الخيال السياسي انهم بلا سوريا؟ تمهيدا للانتقال الى الامر الواقع عندما يجدون سوريا اخرى ليست بالمواصفات التي ارادوها؟

العرب ارادوا سوريا محرّرة ارضا وشعبا من النظام وآثاره ورجالاته وقوانينه وتاريخه وتأثيره، لكن السؤال هل ان ذلك متاح؟ هل كانت الاف الأطنان من الرصاص والقنابل التي تفجرت والمليارات التي انفقت كافية لاقتلاع النظام من جذوره؟ وهل كانت عشرات الفصائل المسلحة التي تناهبت الارض السورية وتوزعت عليها كافية لأحداث ذلك الانسلاخ؟

لعل الجواب الاغرب على الاطلاق يأتي من البيان الاممي الصادر عن مجلس الامن والذي لم يشر لا من قريب ولا من بعيد لشخص رئيس النظام وما هو مصيره، بقدر ما تحدّث عن مرحلة انتقالية بل ان الوزير كيري، وزير الخارجية الاميركي قالها صراحة في مؤتمر صحفي لاحق ان اعوان النظام لن يُستهدفوا شخصيا في اية اجراءات انتقالية للسلطة.

فما هو شكل سوريا – نظاما سياسيا - الذي يراد تشكيله عربيا؟

الى الان لم يُطلَب من العرب "وصفة" تنقذ ما يمكن انقاذه، بل يبدو ان اميركا تحديدا والتي لوحّت للعرب بتدخل ايران في سوريا دعما للنظام وجعلتهم يهتمون فعليا بدعم المعارضة يبدو انها مارست سلوكا انتهازيا اذ تملصت من ذلك السيناريو الذي كانت رؤيتها تتطابق فيه مع رؤية العرب ومنها مجلس التعاون الخليجي تحديدا وراحت تطبخ الطبخة مع روسيا وجعلت من ايران لاعبا اساسيا معتمدا في تقرير مستقبل سوريا.

لعلها اشكالية عصيبة وعلى العرب ان يستقبلوا الصدمة ان مصائر بلدان تعيش صراعا او حربا اهلية ليس بالضرورة ان يتقرر في مؤتمرات القمة التي يعقدونها ولا في المشاورات فيما بينهم ولن يؤخذ بالضرورة ببياناتهم وخُطَبهم ما لم يفرضوا انفسهم قوة اقليمية فاعلة في اي مخططات قادمة وذلك ما لايمكن الجزم به في ظل توازنات القوى الحالية.