لهفة قوية على المولد النبوي في تونس رغم حالة الطوارئ

احتفالات تتحدى الارهاب

تونس - منذ الأربعاء وحتى صباح الخميس، احتشد آلاف الزوار، في شوارع تونس وفي القيروان (وسط تونس) وأزقتها ومساجدها، احتفالا بمولد الرسول محمد، رغم حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد نتيجة العمليات الإرهابية المتكررة التي شهدتها مؤخراً.

وكان الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، مدد الثلاثاء حالة الطوارئ التي أعلنها في 24 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 21 فبراير/شباط، وذلك عقب الهجوم الانتحاري الذي استهدف حافلة للأمن الرئاسي في تونس العاصمة، وأسفر عن مقتل 12 من ضباط وأعوان الأمن الرئاسي، وجرح 20 آخرين.

ويتهافت التونسيون على الاحتفال بالمناسبة الدينية باقامة عصيدة "الزقوقو" وزيارة الاقارب والاصدقاء وتبادل التهاني بالعيد وزيارة المعالم الدينية والاثرية.

وفي كل عام بمناسبة المولد النبوي الشريف، تتجه الأنظار إلى مدينة القيروان، وتشد إليها الرحال، ويتحوّل مقام "أبي زمعة البلوي" إلى مزار للوافدين والسكان المحليين.

وتروي كتب التاريخ، أن المقام يحوي رفاة الصحابي الجليل أبوزمعة عبيد بن أرقم البلوي، والذي تذكر أنه "استشهد سنة 34 هـ/ 654م، في غزوة ضد الجيوش البيزنطية، في منطقة عين جلولة 30 كلم (غرب القيروان)"، وتلفت الروايات إلى أن البلوي كان حلاق الرسول محمد، وأنه احتفظ بشعرات رأسه، وهي مدفونة معه.

كم تم احياء احتفالات المولد النبوي في جامع عقبة بن نافع بالقيروان (أسسه عقبة بن نافع الفهري سنة 50 هجري)، بحضور شخصيات تونسية، وهي عادة يتم إحياؤها في هذه المناسبة كل عام ومهما كانت الظروف.

ولم تتغير كذلك العادات الاجتماعيّة في إحياء هذه المناسبة، ومنها الاحتفاء بطبخ أكلة "العصيدة" (مصنوعة من سميد وزيت زيتون وعسل)، التي تتفنن نساء القيروان في إعدادها بنكهات مختلفة من الفواكه الجافة وتزيينها بحلويات الزينة، رغم الشكاوى من ارتفاع الأسعار، وتقلص القدرة الشرائيّة.

وحطّت عشرات الحافلات التي تقل مجموعات من العائلات، القادمة من مختلف أنحاء البلاد، خاصة من المدن الشمالية، والساحلية، وصفاقس (شرق)، الرحال في محيط مقام "أبي زمعة البلوي"، وجامع عقبة، وساحة باب الجلادين (المطلة على المدينة العتيقة من الجهة الغربية).

وتفرق الزائرون في مختلف أرجاء المدينة، وخاصة السوق التجارية المفتوحة (في مقام أبي زمعة البلوي)، التي تعرض شتى المنتوجات الخزفية والزجاجية، والملابس، والألعاب، وغيرها من المعروضات.

وانتشرت مجموعات أخرى وسط المدينة القديمة، قرب معلم "بروطة" (سبيل ماء قديم)، الذي يمكّن السياح من ارتشاف قهوة تقليدية منقوعة بماء الورد القيرواني، وكأس شاي بالنعناع على عادة أهل المدينة، فيما توزع آخرون في أزقة الأسواق العتيقة، التي تعرض منتوجات تقليدية من الجلد والنحاس القيرواني(المطروق والمطعم يدويا).

"جئنا خصيصا من أجل تحدي الإرهاب، لقد ذقنا من ويلاته، واكتوينا بناره، وحان الوقت لنتحداه بالتعبير عن عدم الخوف منه"، هذا ماقالته أم محمد السيدة الأربعينية من محافظة بنزرت(شمال)، التي قدمت إلى القيروان بصحبة ابنتها الشابة، على متن حافلة في رحلة جماعية بمناسبة ذكرى المولد النبوي.

وأضافت السيدة التي اقتنت بعض المصنوعات الجلدية، إنها "المرة الأولى التي أزور فيها القيروان، ووجدت فيها سحرا متميزا من ناحية الطابع المعماري العتيق، والدفء الروحي، والأجواء المفرحة بمناسبة المولد".

وبنفس الإصرار على المشاركة في الفرحة، والتعرف على أجواء المولد في القيروان، أكد أفراد عائلة قادمة من محافظة أريانة بتونس العاصمة، أنهم سمعوا كثيرا عن خصوصيات الاحتفالات بالمولد في القيروان، فرغبوا في معاينة حقيقة ما سمعوه، وهو ما لمسوه بالفعل.

وتواجد الأمن وانتشاره بشكل مكثّف في مختلف مناطق القيروان، وخاصة في المعالم التي شهدت زيارة أكبر عدد من الوافدين على المدينة، بعث الطمأنينة في نفوس الزوّار، وأثار الحذر في الوقت نفسه، حسب العائلة القادمة من أريانة، حيث لوحظ تواجد مختلف الفرق الأمنية بأعداد كبيرة، وهي مدججة بالسلاح.

الحذر وبرودة الطقس عجّلا بمغادرة نسبة كبيرة من الزائرين باتجاه مدنهم، ودفع التجار إلى تجميع بضاعتهم، بينما اختار تجار آخرون المبيت في نقطة العرض حتى الفجر، واختار زوار المبيت بمقام أبي زمعة البلوي للمشاركة في طبخ "عصيدة الصباح".

وقال زهير الحداد، حافظ مقام "أبي زمعة البلوي"، إن المشرفين على المقام اعتادوا طبخ العصيدة التقليدية بمناسبة المولد النبوي لتقديمها إلى الضيوف، وليتبرك الزوار بهذا التقليد الذي يرافقه أيضا ذبح الذبائح في شكل طقوس قديمة.

وقد تم هذا العام ولأوّل مرة في تاريخ الاحتفالات بالمولد إسناد عمليات التنظيم إلى هيئة مستقلة، تجمع حوالي 30 عضوا من مختلف الاختصاصات.

وأكد رئيس بلدية محافظة القيروان لسعد القضامي أن "البلدية هي المشرف الفعلي على المهرجان، وعلى مختلف الأنشطة بمناسبة الاحتفالات، وقد خصصت اعتمادات استثنائية للعناية بالجوانب البيئية والتنظيمية مثل تنظيم تمركز الباعة، والإنارة، وتعليق الأعلام، واللافتات للزينة وهو ما أوكل إلى هيئة المهرجان المستقلة".

وأشار القضامي أن "هيئة المهرجان ستواصل عملها لتنظيم مهرجان المقروض، والزربية، وتظاهرات احتفالية أخرى تقام مستقبلاً في القيروان".