الربيع العربي.. الأرقام الجافة والحقائق

درس بليغ

كرس العبقري الالماني جوتيه رائعته (فاوست) لفكرة : يستحق الحرية من يذهب كل يوم للكفاح من اجلها. ولذلك فان الكلفة المادية / المالية التي تكبدتها الشعوب والاقليات في العالم العربي نتيجة ما يسمى بالربيع العربي رغم انها كانت فادحة، كانت في اطار معركتها التاريخية من اجل الحرية / الديمقراطية، من اجل التخلص من قبضة الماضي، وترسيخ اركان دولة جديدة تقوم فعلا على المؤسسات والقانون والعدالة وتكفل الحياة الكريمة للانسان، ومساهمة المجتمع في ادارة الدولة عبر ممثليه المنتخبين بنزاهة.

وهزت عروش النخب التي رغم كونها بائدة، استأثرت بالسلطة وتقرير مصير الاوطان، والخيرات بمفردها، واستمرت بالاعتقاد ان القوة التي بيدها ( الجيش والشرطة واجهزة المخابرات والقضاء...) كافية للاحتفاظ بالهيمنة على المقدرات. لكن التاريخ برهن لها أ ن العكس هو الصحيح. ولكن المفارقة ان قوى الردة اغتصبت النتيجة.

وقال تقرير نشره مؤخرا المنتدى الستراتيجي العربي في دبي : إن الدول العربية تكبدت خسائر فادحة نتيجة "ثورات الربيع العربي"، تقدر بأكثر من (833.7 مليار دولار أمريكي)، إضافة إلى 1.34 مليون قتيل وجريح، نتيجة للحروب والعمليات الإرهابية. وأضاف المنتدى، في تقرير أصدره بعنوان "تكلفة الربيع العربي" أن "العالم العربي تكبد خسائر كبيرة نتيجة للأحداث والثورات، التي اندلعت ما بين عامي 2010، و2014، تقدر بأكثر من (833.7 مليار دولار أمريكي).

حقا ان لغة الارقام جافة. انها تجاهلت النقلة في الوعي واشاعة مبادئ الديمقراطية وممارسة الجماهير انتخاب نظام حكمها وحرية الصحافة والاصرار على استقلالية القضاء والمؤسسة التشريعية. وان كانت هذه المبادئ هشة فانها ستترسخ حتما تاريخيا. وهناك اسئلة تُطرح على هوامش تلك المعطيات : هل كانت هذه الارقام، لو تم صيانتها، ستصب في مصلحة الجماهير مهضومة الحقوق، وهل كانت تلك الاموال ستوظف فعلا لتطوير الخدمات الصحية والتعليم وتطوير النية التحتية، والارتفاع بنوعية حياة الانسان وتوفير حياة كريمة وآمنة له ورفع مستوى المعيشة، ام ستذهب اغلبيتها لجيوب النخبة؟. فحتى في الدول النفطية التي وفرت مستويات عالية نسبية للمعشية، يجري بصورة سافرة هضم حقوق المواطن والاقليات، وتنعدم فيها حرية الفكر والعقيدة. كأن الانسان يعيش بالخبز وحده.

ان جماهير الربيع العربي لا تتحمل الخسائر المالية التي يدور الحديث عنها. انها خرجت من اجل تصحيح الوضع المأساوي التي تعيش بظله. فقد انتشرت البطالة خاصة بين شرائح الشباب وتدهورت الحالة المعيشية لفئات واسعة من المجتمع وانعدمت الحريات بكافة اشكالها وسادت ثقافة عنف اجهزة الامن والمخابرات وهُمشت طبقة المثقفين، وانحصرت مقاليد السلطة بيد الفرد والعائلة والبطانة والمنتفعين، وبصورة سافرة جرت خيانة القضايا الوطنية والقومية من اجل مصلحة الانظمة، وجرى انتهاك القيم والاخلاق. ان الشعوب التي تحترم كرامتها لا يمكن ان تلوذ بالصمت على ذلك.

حقا ان جماهير الربيع التي قدمت الضحايا الجسيمة على قربانه، لم تتمكن من الاستفادة من منجزاته، وهذا يعود بالدرجة الاولى لكونه كان انتفاضة عفوية وانفعالية غير مدروسة ، كان "هبة" جماهرية. وكان بحاجة لقيادات فاعلة و"خارزمية" مدربة وواعية للاولويات التاريخية ومطالب المرحلة ومتمكنة من فن لف الجماهير حولها. ولكن من اين يمكن ان تظهر تلك القيادات وتلك المنظمات الواعية لقيادة الجماهير، وقد سحقت الانظمة الاستبدادية والدكتاتورية كافة اشكال المعارضة وقيادتها، وذهبت بها للسجون والمقابر والمنافي. واستفادت من هذا الوضع قوى الردة وانظمة حكم عربية وتمكنت بقدراتها المالية وغوغائيتها، من فرض قبضتها على نتائج الربيع العربي لخلق الطقس وفق مصالحها فأدخلته في الخريف ومن ثم الشتاء العربي، وراحت تحتسب الخسائر من ناحية مادية وليس من زاوية مدى حصول الجماهير على الديمقراطية الفعلية وتفعيل دورها في تقرير مصيرها واستحصال حقها بالحياة الكريمة وحصتها من موارد الدولة.

إن الجماهير تلقنت درسا بليغا في الربيع الذي اطلقته. ان الامم الاوروبية حتى تبلغ وعيها الذي اسست على قاعدته حضارتها الراهنة، تكبدت خسائر مالية ومادية اكبر من الخسائر التي نجمت عن ربيعنا العربي ، وان الجماهير العربية تحتاج لفترة اخرى ومواجهات لتكن سلمية، جديدة لتحقيق اهدافها المشروعة.

فالح الحمراني

كاتب عراقي