مخطوفون وخاطفون وأمن مفقود

"الحكومة لا علاقة لها بخطف الصيادين". بهذه الكلمات تحدث وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري بحضور مضيّفه الخليجي مؤخرا ليدرأ التهمة بخصوص عملية خطف 26 خليجيا ما بين قطري وسعودي وكويتي كانوا في رحلة صيد في صحراء السماوة جنوب العراق.

لعل مجرد ان تحوم التهمة من حول الحكومة هي اشكالية كبرى ربما ليس الحكومة كأشخاص ولكن مليشيات او احزاب وجماعات مسلحة لها حبل ود مع الحكومة لاسباب شتى من اهمها مسألة توزان القوى على الساحة العراقية اذ صار لكن طرف من الاطراف ذراعه المسلح الذي يحميه وقد تعددت تسميات تلك الجماعات المسلحة حتى عُدّت بالعشرات.

مسألة تكرار عمليات الخطف الجماعي في وضح النهار والعبور بالمخطوفين عبر نقاط تفتيش لاجهزة الامن والجيش ظاهرة غريبة، فمثلا تم خطف العمال الاتراك في شهر ايلول سبتمبر الماضي في وضح النهار في شرق بغداد واذا بأثنين من المخطوفين الذين تم اطلاق سراحهم يظهرون في البصرة اقصى جنوب العراق ويروي احدهما انهم قطعوا المسافة من حيث خطفوا في العاصمة بغداد الى البصرة من خلال موكب من السيارات، ذلك ما كان يشعر به رغم انه كان معصوب العينين كما انهم مروا – وهذا مؤكد – بعدة نقاط سيطرة وتفتيش لاجهزة امن وجيش ولكن لم يوقفهم احد وبمعنى آخر انهم كانوا يحملون "باجات رسمية".

واما بالنسبة لخطف الصيادين الخليجيين فالقصة تتكرر: عدد كبير من سيارات الدفع الرباعي ومسلحين وجماعة خاطفة لا تريد اموالا بل لديها مطالب اخرى قيل انها تتعلق بأسرى عراقيين وايرانيين لدى جبهة النصرة التي لقطر علاقة بها وتريد اطلاق سراحهم.

وكأنها دوامة بلا قرار، فأذا كانت عمليات الخطف قد طالت اجانب فأنها شملت عراقيين في موقع شتى وشملت تجارا وموظفين وابناء عائلات ثرية ومتوسطة وشملت خطف اطفال وفتية لغرض ابتزاز عائلاتهم وهو ما تكرر كثيرا، وفي كل الحالات كانت العائلات المكلومة بأبنائها تدفع اموالا طائلة واحيانا يطلق الخاطفون الشخص المخطوف وغالبا يردونه قتيلا لكي لا يفصح بمعلومات تؤدي الى القبض على العصابة.

بالأمكان ان يقع الخطف على بعد امتار من نقاط سيطرة الجيش والشرطة وهؤلاء يتحاشون التدخل غالبا خوفا من ردود افعال الخاطفين لاسيما وانهم غالبا ما يتحركون بسيارات كتلك التي يستخدمها مسؤولون في تنقلاتهم.

الخطف الذي يلاحق الناس في العراق وبالامكان ان يجهز على اي احد هو علامة استقواء فصائل مسلحة ومليشيات وجماعات جريمة منظمة اتاحت لها كثرة السلاح وسهولة التزوير فرصة كبرى للمضي في هذه التجارة المربحة ثم ان تجييش شرائح واسعة في الحرب مع داعش من خلال جماعات مقاتلة في تلك المواجهة وفرت غطاء لجماعات اخرى ان تستغل هذا الغطاء لتنفيذ تلك الجرائم.

من الجانب الاخر ستطفو على السطح علاقة بعض المسؤولين في الدولة من خلال مفارقة مريرة وهي انخراط اقاربهم في عمليات الخطف وكشفت التحقيقات مثلا ان ابن اخت احد وزراء الحكومة العراقية الحالية وهو برتبة في الجيش كان يقود عصابة للخطف وباعتراف الوزير نفسه ولم يعتذر الوزير للشعب ولم يستقل من منصبه ثم بالصدفة القت احدى نقاط التفتيش القبض على ابن نائبة في البرلمان كان قد خطف اشخاصا ايضا وتم ضبطه متلبسا.

هذه الفوضى الخارجة عن السيطرة هي التي تجعل تصريحات الوزير العراقي من الغرائب والعجائب فإذا كان خاطفو الخليجيين لا علاقة لهم بالحكومة فأين الحكومة من هذه التراجيديا؟ ولماذا مرت عشرات من قصص الخطف بلا حساب ولا عقاب؟ ولماذا تتواصل عمليات الخطف بشكل يومي تقريبا؟

لا شيء ملموسا في الشارع العراقي لحماية المواطن من عمليات الخطف ولا من يتصدى للخاطفين ولا من هو قادر على انهاء تلك الظاهرة ولا مقاربتها والافصاح بشجاعة عن مرتكبيها وليس غير بيانات تطلق هنا وهناك بالقاء القبض على عصابة خطف او تسليب ولكن بعدها بزمن وجيز ستنتشر قصص خطف جديدة.