بوح محظور في 'هسيس اليمام'

أكثر الروائي من الحوارات

ظلت الرواية العراقية، ومنذ انطلاقتها في النصف الاول من القرن الماضي، منشغلة بهموم مختلفة، توزعت بين ما هو إنساني وفكري وسياسي، تسرب بين متونها المتعددة، ليعكس طبيعة الصراع او يعبر عنه، لاسيما بعد ان اقتحمت واقعنا الكثير من النظريات والايديولوجيات، التي ترافقت مع مرحلة التحرر من حقبة الاستعمار التقليدي ودخول العراق مرحلة جديدة ومحتدمة في صراعاتها السياسية والثقافية.

وبإزاء هذا الواقع ابتعدت الرواية كثيرا عن الخوض في تفاصيل الحياة الأخرى المختلفة، لاسيما الحساسة منها، أي ان هناك الكثير من المناطق ظلت بكرا ولم تجسدها أقلام الروائيين العراقيين الا نادرا او عرضا في سياق الاحداث التي يتناولها الروائي، مثل الخيانة الزوجية او زنا المحارم والحياة السرية للنساء وغيرها، وذلك لحساسية هذه الامور وعدم وجود مؤسسات نشر مستقلة تنهض بهذا العبء الثقافي بعيدا عن مقص الرقابة الحكومية والاجتماعية وتابوهاتها.

في رواية "هسيس اليمام" للروائي سعد سعيد، نتوقف مع رحلة كاملة لحيوات خمس نساء عشن حياة خاصة مثقلة بالكثير من الانفلات والتمرد والعبثية، وهي ثيمة تكاد تكون نادرة أو غير مطروقة كما أشرنا، ولعلها أغرت الكاتب ليغوص أعمق في تفاصيل تلك الحياة ويستجلي مكنونات بطلاته من النواحي النفسية والثقافية بالاضافة الى الاجتماعية، وقد اعتمد في سرده على تكتيك جديد أضفى على السرد حيوية، حيث التنقلات الزمكانية، التي يعود من خلالها الى مواقف وأزمان مختلفة ايضا، تبدا من مرحلة السبعينيات والثمانينيات مرورا بالحصار الاقتصادي في التسعينيات وصولا الى مرحلة ما بعد العام 2003 ودخول تقنية النت والفيس بوك التي باتت احدى مفردات الاتصال والتواصل المباشر واقتحامها الحياة الاجتماعية ودورها في تغيير نمط الحياة بشكل عام، وتأثيرها في الاخلاق العامة ايضا، اذ يكشف الروائي من خلال استخدام المحادثات في الفيس بوك، عن ما يجول في اعماق بطلاته وطريقة تفكيرهن ونشاطهن اليومي. ويصبح الفيس بوك بمثابة خلفية مقصودة، تعمدها الروائي ليكشف عن الثيمة بطريقة فنية وفاضحة ايضا!

تبدأ الرواية ببوح احدى البطلات بمذكراتها، حيث تبدو هازئة ومتبرمة من حياتها، وكأن الروائي أراد بذلك الدخول إلى متن الرواية بطريقة يستعيد فيها الماضي، ماضي البطلات، ويعرضها من خلالهن كذلك وباسلوب يقترب من التداعي الحر للافكار والاحداث معا! لكي يدون المنسي من حياة تكاد تكون منسية وحاضرة في الوجدان العميق وعلى مستوى الاستذكار او العودة الى الماضي، فايقاع الحياة السريع وعزوف الكثيرين عن القراءة، بات يمحو الذاكرة الجمعية ويؤسس لما هو عابر واستهلاكي، او هذا ما يأتي على لسان إحدى بطلات الرواية، التي تقول:

"ألا تعني المذكرات الكتابة، فلمَ يكتب المرء ان لم يكن هناك قارىء، والأغرب ان الجميع يدعي ان يخشى على مذكراته من اعين القراء!"

والعبارة هذه تحيل الى لعبة تقنية في السرد، تمهد للكشف او سرد مذكرات تلك الفتيات، في مغامراتهن الجريئة في ليل بغداد او في مواقفهن مع رجال كثر يتوزعون اماكن متعددة.

إن التكتيك الذي اتبعه الروائي في سرد الوقائع، جعل الرواية اكثر حيوية واعطى زخما للاحداث بإثارته فضول القارىء ليعرف اية حياة هذه التي عاشتها اولئك النسوة، وهو يسبر أغوار نفوسهن وعقولهن معا، اي ان البعد الثقافي الذي ارادت ان تقدمه الرواية، كان واضحا ويطرح في الوقت نفسه أسئلة مزدوجة عن دور الاعراف والتقاليد في صياغة عقل الانسان، رجلا كان او امراة، وأيضا كيفية التمرد الذي جاء على شكل سلوك يثير الغرابة بقدر ما يثير مشاعر الرفض عند الرجال.

وهنا نجد انفسنا امام سؤال آخر، هو، اذا كنا نرفض هذا الامر، فلماذا نمارسه ايضا مع أخريات بعناوين وضعناها نحن، أي مع بائعات الهوى المحترفات، ونتقبل الامر تحت هذا العنوان ونرفضه على غيرهن حين يكن بنات بيوت؟! وكأننا نقسّم الامور وفقا لرغباتنا نحن من دون أساس موضوعي يحتكم الى رؤية انسانية قارة، او هذا ما اراد المؤلف ان يصل اليه. لانه ليس بصدد عرض وقائع فقط ، بل اراد ان يوصل مقولة نهائية، بواسطة نساء متمردات ومقموعات ايضا، حيث تضيق الحياة على من تزوجت بمن لا ترغب او بمن لا تجد وسيلة مناسبة للعيش تشبع رغباتها الجوانية.

عنوان الرواية، جاء بخلاف المتن، الضاج بالصخب وهو بخلاف الهسيس بالتاكيد، واليمام كناية عن المراة (اليمامة) الرقيقة والمرهفة، والهسيس هنا يعني البوح بهدوء، لكنه لم يكن كذلك، لاننا قرأنا صرخة نسائية انسانية، كشفت في الجانب الاخر المسكوت عنه، احتجاجا اخلاقيا على واقع رجولي مأزوم بقيم مفروضة، يخترقها الرجل بحكم فحولته التي لا تكتمل عند البعض الا من خلال تمرده عليها، اي القيم، بينما يكون خرقها في حياة المرأة جريمة، تؤدي بالمرأة الى الموت غالبا، تطبيقا للأعراف! وهنا تكمن أهمية الرواية، فهي صيحة قوية بوجه الرجل الشرقي الذي يمارس ازدواجية مرضية، يبررها المجتمع، بما فيه النساء احيانا!

لقد أكثر الروائي من الحوارات، التي أراد من خلالها ان يوصل كل ما كان يدور في أعماق بطلاته، واطلق العنان لهن في قول كل ما كان يدور في خواطرهن وهن يستعرضن عوالمهن الماجنة بجرأة تثير فضول القارىء ودهشته، بينما ظل هو يراقب كثيرا ويتدخل قليلا، وهو اجتهاد قد يجد له الروائي ما يسوغه، لكنه أثقل على الرواية بعض الشيء، من دون ان يفقدها هامش المتعة المطلوب.

وفي العموم، نستطيع القول ان رواية "هسيس اليمام"، الصادرة عن منشورات ضفاف، اقتحمت وبقوة عالما يحيطه الصمت بالرغم من كونه يغلي في دواخل الغالبية من الناس، رفضا او قبولا، لأنه نشاط إنساني قديم، وتحاشي الحديث عنه قديم أيضا!