المرأة.. معركة الثقافة مع التكفيريين

أين قاعدة تبدل الأحكام بتبدل الأحوال؟

في إطار تتبعنا لأسباب إخفاق حربنا على التكفير حتى الآن،ناقشنا في عدة مقالات مقولة دونية نظرة العرب والمسلمين للمرأة، وهي المقولة التي تسعى التنظيمات التكفيرية إلى تكرسيها في المناطق التي تسيطر عليها هذه التنظيمات، من خلال الممارسات المتخلفة لهذه التنظيمات بحق المرأة، وهي الممارسات التي فشلنا في توظيفها في حربنا على هذه التنظيمات وفكرها، ومن ثم فشلنا في تحصين مجتمعاتنا ضد هذا الفكر من خلال بيان خطورته على كل مكونات المجتمع والمرأة وفي مقدمة هذه المكونات. ولم يكن بيننا لوهن هذه المقولة، ومجافاتها للوقائع التاريخية والنصوص المقدسة،بالإضافة إلى النصوص الأدبية والتاريخية، من باب الترف الفكري، بل أردنا أن ندعو من خلال ذلك إلى جملة من الأمور أولها: أهمية أن نتخلص من حالة الاستلاب الثقافي التي نعيشها.

فتجعلنا مبهورين بكل ما يصلنا من معلومات من عند الآخر عنا فنتعامل معها على أنها مسلمات، دون أن نعمل فيها العقل والتفكير لنمحصها ونرى مدى دقتها وصدقيتها، وهو بالضبط ما يجب أن ينطبق على كل ما يصلنا من روايات عن ماضينا وممارسات أسلافنا، وفي هذا الإعمال للعقل والتفكير إقامة لشرط من شروط الإيمان، فالقرآن الكريم يأمرنا في الكثير من آياته بأن نُعمل العقل والتفكير بكل ما يحيط بنا من آيات الكون ومكوناته، وأن ندقق فيما يصل إلينا من معلومات حول الوقائع والمفاهيم حتى لا نقع في المحظور من خلال تقليدنا الأعمى للآباء والأجداد وسواهم، فهذه حجة علينا، ومثلبة من المثالب التي عددها القرآن وهو يذم المشركين، بأنهم لا يُعملون عقولهم، بل يقلدون أسلافهم تقليدا أعمى لا يجوز أن يمارسه المؤمنون.

ومثلما أمر القرآن بإعمال العقل، فقد أمر القرآن أيضا بفحص الروايات لقوله تعالى «فتبينوا»من هنا فإننا ندعو إلى تعزيز ثقافة التبُين في مجتمعنا فهي الثقافة التي تجعلنا نحتكم إلى العقل والمنطق والعلم، في كل شيء في حياتنا ومن ثم إلى فحص كل ما يصلنا من روايات وهذا توجيه رباني علينا أن ننصاع إليه إن أردنا أن نستأنف نهوضنا الحضاري، وأن نعود شركاء في الفعل الحضاري على المستوى الإنساني.

إننا ونحن ندعو إلى إعمال العقل في كل ما يحيط بنا ويصلنا من معلومات ووقائع فإننا ندعو أيضا إلى التمحيص بكل ما وصلنا من مقولات، تزعم وتسعى إلى تكريس تخلفنا ومعه تكريس تبعيتنا للآخر، واستلابنا من هذا الآخر من خلال الاستسلام لما يروجه لنا من مقولات مجتزئة من فترات تخلفنا الحضاري، من مثل مقولة دونية نظرة العرب والمسلمين للمرأة التي ناقشناها في المقالات الماضية، ونعتقد أن هناك الكثير من المقولات التي تتعلق بتراثنا وثقافتنا وحضارتنا والتي نرددها دون تمحيص لن تصمد أمامه، حيث سيتبين لنا عند فحصها إنها كمقولة دونية نظرتنا إلى المرأة مقولة مزعومة ومكذوبة، لا تقف أمام حقائق النص وحقائق الواقع على الأرض، من هنا فإن أحد أهم أهدافنا من مناقشة أكذوبة دونية نظرة العرب والمسلمين إلى المرأة أن نجعل من تفنيد هذه المقولة أحدئ البوابات الرئيسية للنهوض الحضاري الذي ننشده. وهو النهوض الذي لا بد منه إن أردنا أن نكسب حربنا على التكفير الذي ارتبط ظهوره في كل مراحل تاريخنا بالانحطاط الحضاري المصحوب بضعف الدولة وغياب الانتماء للهوية الجامعة على مستوى الأمة وفي هذا الإطار فإننا نؤمن بأن المرأة هي أحد أهم مقاييس مكانة المجتمع على خارطة الفعل الحضاري الإنساني.

وتاريخ أمتنا خير برهان هذا الذي نقوله ففي كل مراحل رقينا الحضاري نجد مشاركة فاعلة للنساء في كل نواحي الحياة أبرزت قياديات على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والمهني بل والعسكري. وفي كل مراحل تخلفنا نجد أن مقولة المرأة للبيت والمتعة تتقدم وتسيطر على الخطاب الاجتماعي. من هنا علينا أن نولي قضية النهوض بالمرأة في بلادنا أهمية خاصة، من خلال البناء على ما أعطاه لها النص القرآني وكذلك النص النبوي، بقراءة هذين النصين قراءة معاصرة تأخذ بعين الاعتبار حقائق العصر والوجود. وهذه أحد أهم أسباب اعتبار الاجتهاد مصدراً من مصادر التشريع، الذي أقر فقهاؤه قاعدة «تبدل الأحكام بتبدل الأحوال» اعترافا منهم بأثر البيئة والاكتشافات العلمية والتطورات الاجتماعية على ميول الناس ونزاعاتهم وأحوالهم،ومن ثم على الأحكام التي جاءت لتنظيم حياتهم وعلاقاتهم.

أننا في دعوتنا لإعادة قراءة النصوص قراءة عصرية، بالتزامن مع دعوتنا لإعمال العقل إنما نريد أن تكون معالجتنا لمكانة المرأة ودورها في المجتمع مفتاحاً لنهضة ثقافية تؤسس للنهوض الحضاري المنشود لهذه الأمة، مستذكرين بأن المرأة لعبت أدواراً هامة في البناء الثقافي لأمتنا في مختلف مراحل تاريخها. ومذكرين أيضا بأن كسب معركتنا الثقافية مدخل من مداخل كسب حربنا على التكفير.

بلال حسن التل

كاتب أردني