داعش الإرهاب والدولة والثورة

يجمع العالم بما فيه بعض المسلمين على تعريف موحدا لـ"داعش" بأنها منظمة أرهابية (رغم أن نفس العالم لم يتفق على اي تعريف للإرهاب منذ تأسست أممه المتحدة وحتى اليوم) بل ويذهب بعض المسلمين الي تكفير اعضائهاــ كيف لمسلم أن يكفر مسلما مهما أشتد انحرافه؟ الإسلام اوجد ما يكفي من الصفات وبعضها في نصوص قرآنية لوصف من انحرفوا أكانوا ممن لا يرأفون بوالديهم أو تاركي الصلاة او القاعدين يوم الزحف او الزناة. وعلى كل حال فـ"داعش" منظمة أرهابية دون شك لأنها تمارس الإرهاب وفق رؤية دينية بها الكثير من الزيف ولا أساس فكريا دينيا لها الا تفاسير مصلحية لفريضة الجهاد. اذا هي منظمة أرهابية بلا أدنى شك.

داعش وفق السائد اليوم ووفق تعريف الدولة هي قانونيا وسياسيا ايضا دولة. فالدولة قانونيا هي سلطة ــ حكومة ــ تمارس سلطتها او سيادتها ــ مهما نقصت وأٌنتهكت ــ على مساحة من الأرض يقطنها اناس حتى وان لم يحملوا جنسيتها. وداعش ينازعها بعض العالم اليوم على مساحة من الأرض تفوق عشرة أضعاف مساحة بلجيكا وتعادل مساحة ايطاليا وتحت سيادتها ما يعادل تقريبا 90 في المائة من سكان بلجيكا او 12 ضعفا من سكان لكسمبورغ. وهي تصك عملتها النقدية وتنشر قوانينها للمقيمين تحت حكمها في مجالات الصحة والتعليم كما في الجهاد وجهاد النكاح وقطع الطرق والأعناق.

وفي الجانب الاخر، وبرغم أتفاق العالم على مفهوم الدولة، الا انه يقره فقط وفق مسببات سياسية تخدم مصلحة من يقره ولأن أقرار ذلك لداعش من الكبائر فيتم أنكاره. فمثلا المناهضون لحكومة بشار الأسد أنكروا عليها أن تمثل "دولة" وحصروها في كونها "نظام" فقط وهو المصطلح الذي سك (من حيث أستعماله كبديل للحكومة في الخطاب السياسي) قبل ذلك في وصف النظام الليبي السابق اذ حوله أعداؤه الي نظام تتبعه مجموعة من الكتائب المسلحة يستخدمها في ممارسة القتل والنهب وأختفى اي أستخدام لكلمة "دولة" في الحديث عن ليبيا مع ان ذلك النظام كان حتى الأمس القريب يحكم تلك الدولة المسماة ليبيا ومنها يسيّر عشرات السفارات في عشرات الدول! ومع أن هذا القول ديماغوجي لا يصلح للنقاش الا انه أرسى مبدأ مهما في العلاقات الدولية سنراه يتكرر وبكثرة.

وعودة الي داعش اذ يزيد البعض في رفضه كونها دولة بالقول انها لا تتمتع باعتراف دولي ولكن كما سبق القول فأن الاعتراف الدولي يخضع لإعتبارات سياسية اخرى وهو ليس شرطا لكينونة الدولة. وأمامنا حالات محددة لدول لا يعترف بها أغلب العالم منها تايوان وان كان يتعامل معها تجارياــ أنظر حولك لترى كم عدد ما لديك من منتجات تلك الدولة. ولدينا ايضا دول لا يعترف بها كل العالم ومنها اسرائيل ومرت علينا تجارب لم يعترف بها الا بعض قليل من العالم وهي إمارة طالبان الإسلامية (1999-2001) ــ وكان يومها اول المعترفين بها القرضاوي ـ وتجاريا هنالك دول محددة من تشتري منها النفط والآثار المسروقة وتبيعها السلاح والتموين. اذا داعش دولة وان تمنينا غير ذلك.

اما كون داعش حركة ثورية فعلينا اولا تذكر أمرين في فهمنا لماهية الثورة الأول: أنها حركة عنيفة في الغالب والثاني وهو الأهم: أنها تحمل مشروعا متكاملا بغض النظر عن قبول الآخرين له. وهنا يهمني النظر الي المثلث الداعشي (مثلث لأن قمته الإرهاب ووسطه الثورة وقاعدته الدولة) من منظور عربي أسلامي قبل منظور السياسة الدولية. فـ"داعش" حركة إسلامية سنية (هكذا يصنفها العالم وهكذا ترى نفسها) وبهذا تكون سابقة في تاريخ "الإسلام السني". فالسنة في الإسلام أرتبطوا، ومنذ معاوية، بالرجعية الفكرية وبالسلطة وبلاطها مع أنهم نجحوا في أرساء دعائم دولة قوية (أمبراطوية في الحقيقة) ولهذا السبب دجنوا التيارات الدينية التي رأوها تشكل خطرا عليهم وعلى سلطتهم وحاربوا التي لم تقبل التدجين. وهنا بيت القصيد. فتاريخيا كان الشيعة (ممن تشيعوا لعلي وليس ممن تشيعوا للسيستاني مثلا) هم الحركة الثورية الأكثر جرأة في الإسلام والأكثر معادة للسلطة والأكثر عرضة للإضطهاد على يدها. ومنذ كربلاء وحتى اليوم لا يزال "الشيعة" ــ على مختلف مشاربهم ــ يعيشون عقدة الضحية ولذلك هم دائما مصدر التجديد حتى في الفقه الإسلامي. ومع انني لا اعترف بالمذاهب في الإسلام، الا ان للضرورة أحكامها التي تدفعنا الي قول ما لا نريد. ولهذا داعش ــ وبشكل ما ــ ثورية في المجال الديني.

ومن منظور قومي عربي فـ"داعش" ثورية ذات بعد قومي وان كان من حيث الجغرافيا حاليا على الأقل. وهنا لفت نظري أحد فيدوهات داعش التي ظهرت في بدايات زحفها من العراق الى سوريا في عام 2014 وقبل أن تتقن أنتاج الفيدوهات عالية الجودة. في ذلك الفيديو وبعد ان جرف بلدوزر الحدود بين العراق وسوريا انتقلت الكاميرا لتركز على لوحة ملقاة على الأرض وهنا يقول المقاتل الذي يعلق على الفيديو: هذه نهاية سايكس-بيكو مشيرا الي الإتفاقية التي وقعها كلا من الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس ونظيره الفرنسي فرانسوا بيكو في مايو 1916 والتي قسمت الشرق العربي الي دويلات مشتتة بينها العائلات والقبائل والطوائف وهم مازالوا مشتتين بين ما يعرف اليوم بـ: سوريا ولبنان وبعض العراق وفلسطين المحتلة والأردن. ويكاد لا يوجد عربي واحد لا يعرف سايكس بيكو ولم يلعن سنسبيلها منذ نعومة أظافره.

يبدو واضحا أن المعلق الداعشي على الفيديو يعي التاريخ وهو الأمر الذي علمته اياه منظمته في واحدة من أكثر المناورات السياسية حدقا. فمنذ أستقلال الكيانات العربية لم تستطع حركة قومية عربية رافضة لـ"سايكس بيكو" أن تجد لنفسها موطئ قدم على الأرض العربية وتكون فاعلة فيه ومستعدة للدفاع عنه بأستثناء بعض الإنقلابات "الثورات" القومية التي قادها ممن يوصفون بالضباط الأحرار أو المحسوبين على التيار القومي في بلدان مثل ليبيا ومصر والعراق وسوريا وهؤلاء كان حدود وجودهم لا يتجاوز سايكس بيكو رغم أن طموحهم تعداها. ولم يشهد التاريخ العربي الحديث اي حركة ذات بعد قومي خرجت من لدن الشارع واعلنت صراحة رفضها للحدود المصطنعة بل وأزالتها ووقفت تدافع عن فعلها ذاك معلنة أنها لن تتوقف الا بعد ازالة بقيتها الباقية واعادة حدود دولة الإسلام وان كان هذا القول يأتي ضمن تبجح داعشي ليس الا. وحتى الربيع العربي المزعوم كان ملتزما بـ"سايكس بيكو" قبل أن يعمل على تعزيزيها وزيادة تأطيرها.

وهذ أحد أسرار الفزع الغربي من داعش (اضافة الى بقية الأسباب) كونها تمثل جيلا جديدا من المسلمين ــ العرب بالدرجة الاولى ــ ممن يتبنون عقيدة دينية من أسسها تدمير "سايكس بيكو" في خليط فكري قل أمتزاجه. وبالمناسبة العام القادم ستحل الذكرى المئوية لكارثة سايكس بيكو.

وهو ايضا أهم أسرار انجذاب الكثيرين لداعش ولعله ايضا من مفارقات فشل التيارات القومية العربية (كلها دون أستثناء) في بناء الكيان العربي الواحد الذي ترنوا اليه قلوب الملايين. وحتى الوحدة المصرية السورية عام 1958 كانت نتاج إتفاق سياسي بين طرفين في سدة الحكم ومع هذا لم تدم.

والمفارقة الأشد هي ان يتحول العرب (وأنا منهم) ــ في ظل نكسات فكرية وهزائم عسكرية متواصلة ــ الي مؤيدين وبشدة لتحرير جنوب لبنان الذي هو في حقيقته أنجاز لحزب سياسي ديني "شيعي" الإنتماء والمرجعية دون ان يعني ذلك التقليل من اهمية هذا الإنجاز في بعده القومي بالذات. ولعلنا نذكر فرحة الجماهير العربية بمختلف طوائفها وانتماءتها السياسيةــ وبعدها الجغرافي عن لبنان ــ وخروجها في مسيرات الفرح في عواصم تعتبر ملاذ للقومية عشية طرد أخر عسكري صهيوني من جنوب لبنان في عام 2000 وتلهف تلك الجماهير وانتظارها لخطب زعيم الحزب السيد حسن نصرالله. وينطبق ذات الأمر، وان بدرجة أقل، على الحروب التي خاضتها حركة حماس مع اسرائيل منذ العام 2006.

من هذين المنظورين ــ الديني في سياقه التاريخي والقومي في سياقه المعاصرــ تبدو جليا ثورية داعش بغض النظر عن أتفاقنا معها من عدمه.