مظلة لا تحجب سوى الروح

منذُ فترة ليست بالقصيرة فقدتُ متعة التأمل التي كنت اكتسبتها بعناء، فقدتُها كأنها طير حبيس غادر قفصه ما أن لاحت له السماء دون خطوط متعارضة.

هجرتني تلك المتعة دون أعي سبب لذلك، سوى أنني اذكر تفصيلة صغيرة، ليست مهمة، ولكنها قد تكون مفصلية في تلك الهجرة النهائية على ما يبدو، ففي لحظات التأمل التي كنتُ أدمنتها كأفيون رخيص، بل بلا ثمن، قفزت من تلك اللحظات الخارجة عن الزمن، فكرة تطورت فيما بعد الى وهم، نما هو الأخر الى شاخص ظل يلازمني كظلي، صارنا لا نصمت ابداً، فكلما حاولت الأقتراب من تلك البقعة المقدسة قفز ليدنسها برجس الكلمات المتلاحقة. أنا كـ"نبي" مرهف، او رسول يكره الدور، تغويني تلك "المدنسات"، يغريني عري الكلمات، فأهرول تاركاً "معشوقتي" تتلظى على فراش بارد.

أنا مادي منذ بدأت اميز بين المثال والمادة، لم يكن ببالي يوماً ان يكون للمثال دور في حياتي، كلما حاولتُ انا امارس أو اجبر نفسي على ممارسة طقوس المثال، كالوقوف في صفوف الواقفين، تراني اتراجع خجلاً، اضحك من نفسي وعليها، كيف لها ان تمشي خلف سراب.

مرات كثيرة، كنتُ اقطع على نفسي ان لا ادع "الشياطين" تتسرب الى داخلي، واحاول جاهداً ان أنضم لقوافل "المثاليين" وهم منشغولون في طرقهم الخاصة، أفشل.

لا اعرف لمَ الفشل؟ لكني أكتشفت مؤخراً طريقة لمعالجة هذا النكوص المستمر. جربت ان اكتشف لوحدي عالما مثاليا خاصا بي، طرقت ابوابه، حاولت ان افتح ثغرة في جدران مادية عل روح كروحي تتسرب من خلالها. لم تفلح المحاولات سوى تأمل ينتهي كل مرة، بخيبة أمل اكبر عن جدوى ان تعيش لأجل ان تثبت ما يريده الأخرون او يتمنونه، فكثيرون يحدثونك عن المثال، لكني كلما اقتربت منهم بعمق اكتشفت أنه "الخواء" ليس الا.

فلا يمكن ان تسمي من يترك لذات الحياة بسبب قصوره عن نيلها، بالزاهد، ولا يمكن ان تُعرف العاجز عن الوصول، بالمُعرض، لا يمكنك ان تطلق على من لا يجد سوى المثال مأوى بالراهب، كل أولئك مجبرون على تلبس ادوار يكرهونها كالرسل الذين فتحوا اعينهم ليجدوا أنفسهم في ورطة تحويل المادة الى مثال، فتضيع أعمارهم دون يتحول شيء سوى أوهامهم التي تكبر وتكبر لتصبح تلال من الخيبات الانسانية والانكسارات العنيفة التي تعبر عن ذاتها بالهروب نحو تأمل مخادع كما يفعل محدثكم.