تقارب النهضة ونداء تونس يلقي بظلاله على المشهد السياسي

شراكة محتملة رغم الاختلافات

لا تستبعد قوى سياسية تونسية ان تفضي الأزمة الراهنة التي تعيشها البلاد على خلفية مؤشرات قوية على تفكك قريب لحزب \'نداء تونس\' العلماني الذي يقود الائتلاف الحاكم، وحالة التململ في معظم قواعد النهضة الاسلامية الشريك في الائتلاف الحكومي، إلى تقارب بين القطبين السياسيين: راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة والباجي قائد السبسي مؤسس النداء الذين يوصفان بـ"الشيخين".

ولا تخفي القوى السياسية والمدنية العلمانية مخاوفها من ان تكون تركيبة الحكومة المرتقبة بناء على "توافق" بين الغنوشي والباجي، لا بناء على مطالب تلك القوى بتركيز حكومة إنقاذ وطني تحشد جهود مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في إطار "رؤية" سياسية تستلهم ملامحها من طبيعة المشهد العام المتعدد فكريا وسياسيا.

وتستحضر تلك القوى في هذا السياق لقاء باريس الشهير بين قائد السبسي وراشد الغنوشي قبل أكثر من عامين والذي افضى إلى جلوس الطرفين صحبة 19حزبا على طاولة الحوار الوطني برعاية الرباعي الراعي للحوار: اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف وعمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وأفضى الحوار ايضا إلى تغيير الخارطة السياسية في تونس حين أثمر لاحقا استقالة حكومة الترويكا الثانية برئاسة علي العريض الأمين العام الحالي لحركة النهضة وتشكيل حكومة كفاءات ترأسها المهدي جمعة والمصادقة على الدستور بـ200 صوت من أصل 217 وصياغة قانون انتخابي والتوافق على قائمة أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ورئيسها شفيق صرصار.

وتذهب بعض القراءات الى أن السبسي عزز نفوذه من خلال ادارته لملف أزمة نداء تونس الذي اسسه وخاض به الانتخابات التشريعية والرئاسية في 2014، لينهي سيطرة النهضة وحلفائها على الحكم.

وانقسم نداء تونس إلى شقين، شق مناصر لأمينه العام محسن مرزوق وشق مؤيد لنائبه حافظ السبسي ابن الباجي قائد السبسي ويعتقد أن السبسي الاب حسم الأزمة بأن غلب كفّة ابنه الي لا يرى مانعا في التقارب مع النهضة.

وتشير تلك القراءات إلى أن النهضة كانت المستفيد من أزمة النداء، حيث ضمنت تحالفا غير معلن مع شق حافظ السبسي بعد استبعاد شق مرزوق الذي يرفض أي تقارب معها، كما ضمن زعيمها راشد الغنوشي احتواء غضب عدد من قادة حركته يرفضون التقارب مع النداء.

وتقول حركة النهضة انها تدعم حكومة الحبيب الصيد، وأنها تسعى خلال مؤتمرها القادم إلى بناء حزب وطني يفصل بين النشاط السياسي والعمل الدعوي في محاولة للتخفيف من حدّة الانتقادات التي واجهتها ولتظهر أنها حزب سياسي على خلاف اعتقاد معظم الرأي العام التونسي بأنها فرع لتنظيم الاخوان المسلمين.

وسبق لرئيس الوزراء التونسي الحبيب الصيد الذي يجري حاليا مشاورات لتشكيل حكومة جديدة أن اعلن في مقابلة مع صحيفة الأهرام المصرية في 21 ديسمبر/كانون الأول أنه لا يوجد في تونس حزب له ارتباط بتنظيم الاخوان، في اشارة إلى حركة النهضة.

ويلقي التقارب المحتمل والوارد جدا بحسب معظم القراءات، بظلال ثقيل على المشهد السياسي العام حيث تسود مخاوف من أن يفضي في النهاية إلى هيمنة الحزبين الرئيسين على الحكم، وما يعني ايضا عودة النهضة بقوة إلى السلطة ضمن توافقات بين الباجي والغنوشي.

ويعتقد محللون ان تجربة الائتلاف بين حزب علماني وآخر اسلامي أنتجت ضبابية سياسية نظرا للفجوة الكبيرة بين المرجعيات الفكرية للحزبين والاختلافات حول طبيعة الخيارات الكفيلة بإنقاذ البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية.

لكن في المقابل يعتقد شق من السياسيين أن التقاء نفوذ قائد السبسي ونفوذ الغنوشي "خيار ايجابي تمليه الظروف الحالية التي تمر بها البلاد، والتي تستوجب تقديم الجانبين لتنازلات توفر الحدّ الأدنى للتعايش السلمي وتخفيف التوترات السياسية والاجتماعية.

ويتوقع هذا الشق أن يستميت راشد الغنوشي في تمسكه بالتعايش بين النهضة وتيار حافظ قائد السبسي داخل نداء تونس.

ويعتقد شق ثالث أن التقارب بين الغنوشي والسبسي مجازفة قد تفقدهما تأييد جزء من قواعدهما الانتخابية، حيث تنظر بعض قواعد النهضة للباجي قائد السبسي كخليفة لبورقيبة (الرئيس التونسي الراحل) المناهض بشدّة للتيار الاخواني والذي قاوم الحركة الاسلامية في تونس، بينما ينظر العلمانيون لراشد الغنوشي ولحركته كامتداد للإخوان المسلمين في تونس ويعتبرون هذا التيار خطرا على الدولة المدنية الديمقراطية.