التونسيون يتطلعون الى حكومة محررة من سطوة الأحزاب

آمال التونسيين تنعقد على ثورة إصلاحات هادئة

يتطلع التونسيون إلى تركيبة حكومة إنقاذ وطني قوية قادرة على إطلاق ثورة إصلاحية تكون كفيلة بالنأي عن السياسات الترقيعية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة على الحكم خلال السنوات الأربع الماضية وبعيدا عن الارتهان للأحزاب التي خيبت آمالهم، بعد أن فاضلت الغرق في أزماتها الداخلية على حشد جهودها لمواجهة التحديات التنموية والسياسية والأمنية.

وتؤشر المتابعة لاتجاهات الرأي العام ووسائل الإعلام ومواقف القوى السياسية والمدنية الفاعلة على أن التونسيين باتوا يراهنون على تحرير القرار الحكومي من سطوة أي حزب من الأحزاب من خلال حكومة وطنية يتم تشكيلها بناء على مقاييس الكفاءة والخبرة والمصداقية وتحظى بالتأييد السياسي والشعبي بعيدا عن سطوة الأحزاب الغارقة في أزماتها الداخلية.

يأتي ذلك في وقت يقود فيه الحبيب الصيد رئيس الحكومة الائتلافية الحالية مشاورات موسعة ليس مع قيادات الأحزاب فقط، وإنما أيضا مع القوى المدنية الفاعلة والشخصيات السياسية التي تحظى بالصدقية من أجل التوصل إلى تركيبة حكومية قادرة على إدارة مواقع صنع القرار الإداري والسياسي وفق منطق الدولة بعيدا عن الارتهان لضغط أي حزب من الأحزاب.

ويرجع محللون سياسيون توسيع الحبيب الصيد مشاوراته بشأن تركيبة الحكومة المرتقبة لتشمل مختلف القوى السياسية والمدنية الفاعلة إلى ان رئيس الحكومة الحالية يسعى إلى توفير الحد المطلوب من الاستقرار الحكومي الذي لا يتحقق إلا من خلال حياد مواقع صنع القرار الإداري والسياسي تجاه أحزاب سياسية تسعى إلى السطو على تلك المواقع.

وعلى الرغم من تصريحات قيادات الأحزاب التي تدعم جهود الصيد من أجل تشكيل فريق حكومي يقف على نفس المسافة بين مختلف مكونات المشهد السياسي، غير أن تلك التصريحات تبدو موجهة بطريقة ممنهجة للاستهلاك الإعلامي في مسعى إلى طمأنة الرأي العام، حيث تشير تسريبات إلى أن جهود الصيد تجري وسط ضغوط حزبية بشأن الحقائب الوزارية.

ووفق نفس التسريبات يبدو أن الصيد بات أكثر اقتناعا بضرورة تشكيل حكومة إنقاذ وطني تشارك فيها شخصيات سياسية مستقلة ذات خبرة ومصداقية وعدد من الكفاءات المتخصصة في مجالات محددة، على خلفية الأزمات التي تعصف بالأحزاب السياسية وفي مقدمتها حزب نداء تونس.

وتلتقي جهود الصيد مع جزء كبير من اتجاهات الرأي العام الذي يتطلع إلى حكومة قوية ومتماسكة تكون قادرة على القطع مع السياسات الترقيعية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة على الحكم خلال السنوات الأربع الماضية وإطلاق "ثورة هادئة" عنوانها الإصلاحات الكبرى وفق رؤية سياسية واضحة تستلهم ملامحها من مشروع وطني تقوده مؤسسات الدولة لا وفق رؤية أي حزب من الأحزاب التي تآكلت تنظيميا وسياسيا.

ويشدد سياسيون على أن تركيبة الحكومة المرتقبة يجب أن تتشكل بناء على اهتمامات الرأي العام وليس على الحسابات المسبقة للأحزاب التي فشلت في كسب التأييد الشعبي وظلت تتحرك طيلة أربع سنوات في دائرة ضيقة تتكون من قواعد انتخابية ظلت ثابتة هي أشبه بـ"الجزر البشرية" في مجتمع متعدد ومنفتح أكثر منها قواعد شعبية بالمعنى الاجتماعي والسياسي.

وعلى الرغم من استفحال هشاشة الأوضاع العامة طيلة أربع سنوات، ما زال التونسيون متمسكين بالمسار الديمقراطي الناشئ والمتعثر وهم يتطلعون إلى ثورة إصلاحات هادئة يقودها فريق حكومي كفؤ قادر على تحرير القرار الحكومي ومواقع صنع القرار الإداري والسياسي أكثر ما يمكن من ضغوطات الأحزاب في إطار مشروع وطني تنموي وسياسي طموح.

ويربط جزء كبير من اتجاهات الرأي العام نجاح الحكومة المرتقبة في إطلاق ثورة إصلاحية هادئة ومدروسة بضرورة حشد جهود مختلف القوى السياسية والمدنية في إطار خارطة إستراتيجية يتم رسم تضاريسها بناء على تشخيص دقيق للمعضلات التنموية والسياسية والأمنية التي تؤرق التونسيين.

كمار يربط الجزء الاكبر من الرأي العام نجاح تركيبة الحكومة المرتقبة بمدى توفر إرادة سياسية قوية وشجاعة بعيدا عن سياسة "الأيادي المرتعشة" بحيث تتحدى إرهاصات الواقع وتكفل حق المواطنة بين التونسيين على اختلاف مرجعياتهم الفكرية وانتماءاتهم الحزبية وأيضا على اختلاف فئاتهم الاجتماعية.

ولا يتردد سياسيون في التشديد على أن الأوضاع العامة الهشة في البلاد تستوجب تركيبة حكومية تنأى بنفسها أكثر ما يمكن عن تجاذبات أحزاب غارقة في أزمات داخلية تنظيميا وسياسيا وتتشكل بناء على رؤية إستراتيجية جديدة من أبرز ملامحها تحييد مؤسسات الدولة عن الشأن الحزبي.

ويضيف السياسيون أنه في حال تشكيل الحكومة المرتقبة بناء على المحاصصة سيتعمق تدني ثقة غالبية التونسيين في الأحزاب وفي أداء الحكومة وقد يقود تحزيب الحكومة إلى أزمة سياسية تتغذى من هشاشة الأوضاع العامة وضعف التأييد السياسي والشعبي.