'وجهي ليس في المرآة' .. صرخة الروح في صحراء الغياب

العمل اقترب كثيرا من التجريب

اذا كان الجسد وعاء للروح، كما يقال، فإن القسوة التي تفرضها مراحل الانحراف في الحياة على الروح، تلقي بكل حمولتها على هذا الجسد الذي لم يعرف الراحة الحقيقية، الاّ حين يعود ممتزجا بالمطلق بعد الفناء، ليترك الروح هي الأخرى تحلق في عالم آخر خال من كل التشوهات التي كثيرا ما يصنعها الانسان بيده، او قل هكذا هي الحروب التي ما انفكت تنهش بجسد الانسان وروحه معا، لترسم للمجهول اكثر من طريق.

مساء الثلاثاء (8 ديسمبر/كانون الاول الجاري) شهد المسرح الوطني عرض مسرحية "وجهي ليس في المرآة" من تأليف عباس لطيف واخراج نغم فؤاد سالم.

المسرحية عالجت قضية انسانية، اتخذت من العلاقة الانسانية بين الفنانين الراحلين فؤاد سالم ومي جمال، محورا وخلفية للأحداث التي مكثت طويلا عند موضوعة الحرب وتداعياتها الانسانية، المتمثلة بالفراق، والتشوهات التي تحدثها الحروب، ليس على الاجساد المشوهة التي تكسوها ملابس ممزقة، تضج برائحة الموت والخراب، وانما في النفوس والارواح، حيث الرغبة في الخلاص والانعتاق من اسار تلك اللحظة الانسانية القاسية بعد ان باعدت بين الحبيبين وأحدثت شروخا عميقة في الوجدان.

استطيع القول، إن العمل اقترب كثيرا من التجريب، من خلال استثمار جماليات الجسد في التعبير عن الفكرة التي أسهم في تجسيدها على المسرح خالد احمد مصطفى وسرمد احمد وكرار فؤاد سالم، بالاضافة الى مصطفى داخل وسجاد كاظم سوادي ومصطفى اللامي وعلي محمد، ليشكل هذا الفريق لوحة تشكيلية تنوعت في رسم صورة الألم الذي أفرزته الأحداث، وعبر عنها تحت ايقاع المؤثرات الصوتية المحاكية للاحداث التي رافقت رحلة العمل وهو يتجول بين هموم الفراق وعسف الظروف والفقدانات المتلاحقة، والفقدان هنا يأخذ بعدا رمزيا واسعا يتشظى بين الموت والفراق الطويل، يرافقه أمل ماثل يتجلى في حوارات مقتضبة، ومشدودة، تجسده تارة وتلغي المسافات بواسطته تارة أخرى، مع شارات وترميزات سياسية، تحاكم بشكل عابر وتلميحي من وقف وراء كل هذا!

لقد ارهقت المخرجة أبطالها كثيرا ليعبروا عن حمولتها الفكرية التي بثها المؤلف، لتحرر النص وتطلقه على المسرح بصورة اجتهدت في طرحها هي، وبرتوش اقل، بعد ان كانت ملابس الممثلين جزءا أساسيا من السينوغرافيا، او انها كانت بما بدت عليه من مزوق ودماء، مغنية عن السينوغرافيا التي كانت شحيحة على خشبة المسرح، وتركت اجساد الممثلين وحركاتهم التي لم تهدأ الا لبرهات او فواصل قليلة، وحدها ترسم الصور الكاملة للمشاهد المتلاحقة لتتكامل مع الحوار في ايصال الفكرة، او هذا ما اراده المؤلف ايضا، الذي ابقى الكثير من نصه في ذمة التأويلات، لاسيما في محاولته تقعيد النص على رؤية يتداخل فيها السياسي بشططه الذي اراد الاشارة اليه وفقا لاجتهاده، مع الانساني بعد ان يغدو ما يتجلى من تداعياته على الاجساد والارواح وهي تتفاعل معه ساخرة مرة وناقمة مرة أخرى!

لا أدري لماذا فات القائمون على العمل ادخال احدى اغاني الفنان الراحل فؤاد سالم، الذي أهدى العمل اليه ولزوجته الراحلة مي جمال اللذين فارقتهما ظروف معروفة ودفعا ثمن الحروب، كل بطريقته، ولا نعتقد ان ذلك سيكون مقحما على العمل ابدا، كونه يأتي أيضا متساوقا مع الفكرة وبمثابة تحية تغني العرض، ولو بصيغة مؤثر صوتي خلفي.

في عودة لما اشرنا اليه بصدد السينوغرافيا، نجد انها وبالرغم من بعض المشاهد الباذخة التي نجحت المخرجة في صياغتها، وتحديدا المشاهد الاخيرة، كانت فقيرة او تكاد تكون غير موجودة الامر الذي ارهق المتلقي، كون السينوغرافيا ليست فقط ضرورة في خلق التكامل داخل العمل وانما لاضفاء مسحة جمالية توفر متعة ذهنية وتسهم في تقريب مقولة النص اثناء المشاهدة، وكان لقلة حضورها اثر واضح.

منوهين هنا ايضا الى ان العمل كان سريعا ومتدفقا بسرعة، ولم يمنح المتلقي فرصة كافية لالتقاط انفاسه، على الرغم من الجهد الواضح الذي بذله الممثلون في حركتهم الدائمة على خشبة المسرح، وتشكيلهم للّوحات الفنية التي ضمنوها او ضمنتها المخرجة والمؤلف معا، مقولة نصهم الذي استحق منا التصفيق، لانه اوصل رسالة انسانية أدخلتنا عوالم الحرب ليس في ميادينها، بل في اسقاطاتها على الحياة بشكل عام، من دون هتافات او شعارات، من اجل ان تصفعها، عندما انتصرت للقيم الانسانية وللجمال الذي تسرقه الحروب عادة.