'قهوة الكلام' .. أسئلة وجودية وقصائد تبتعد عن المألوف

متى ومتى يأتي المطر؟

لا غرابة أن تحمل شامها كصليب المسيح، وصخرة القديسين، أن تحملها في الشعر والقصة معا، ولكن الغرابة أن نُمسك بهذه التعددية في الكتابة والإبداع التي تجيدها.

اليوم نرى امرأة سورية تقتحم عدة عوالم في أن واحد، عالم الشعر، وعالم السيناريو التلفزيوني المثير، وبعض القراءات النقدية في القصة والشعر والمسرح، وأدب الطفل ايضا.

إنها فاتن حمودي. بنت الشام، امرأة متوهجة بتطلعاتها تعمل بصمت وهدوء وبحرفية عالية، وخلال زحمة العلم المليئة بالإبداع النوعي، لم تنسَ الشعر الذي يشكل لها طريقا عكس الريح، ونهرا نحو البعيد، لتصل إلينا، والأهم في هذه التجربة أنها تمثل المرأة التي تحمل صخرتها كما سيزيف لتقدم فعلها الانتاجي بوعي متقن.

ها أنا أجلس على باب روايتي ..

نايات وكمنجات تصدحُ حزني..

أحدودب الكونُ ..

غطتني أوراقُ الخريف ..

غطتني كالنوارسِ المتعبة ..

أمضي تعبَ البحرُ وغابوا ..

ها أنا أجلس على باب الوطن...

شمعةُ روحي ذابتْ ..

ما أقسى الانتظار.

حين نقترب من كتابها "قهوة الكلام" الصادر عن رياض الريس للكتب والنشر، نلحظ ابنة الشام، تدور حول مجموعة من تعريفها لأنا الشاعرة، فمرة تقول:

أنا شجرة نارنج في حديقة شامية ..

قل لي كيف أنأى بمرارتي عنك ..

زهوري تملأ الكون.

وتقول في مطارح أخرى:

سيدة الحكمة يقولون عني... ولا يدرون جنوني..

أنا العاصفةُ الريحُ الهباء نسيت ملامح وجهي.

سألتها عن شيء يجري في عروقها.. بردى ذلك النهر الاسطورة الذي يمشي في حواري الشام وغوطتيها، يطل على بعض بيوتات الشام، بردى الذي يشكل خيطا في عروق القصيدة وكأنها تستجدي الحياة والمعرفة القادمة من المستقبل، بردى الشاهد على الحب والحرب، وهو ما تؤكده في قصيدة "لي فيك يا بردى"، وقد استعارت العنوان من أغاني فيروز، تؤنسن النهر قائلة:

منْ يعرف وجهَك يصهلُ للعاصفةِ

ويمدُّ مخالبه بوجه الريح ..

من غرّبك ؟!

من ساقك؟ّ

من أنساك مركبي وطفولتي!

من بعثر كلَّ هذهِ الظلالِ ..

وتركك في غفلةٍ تمضي؟

غريبة أنا وللغربة نباح.

ولأن الجرح تحوّل إلى مسمار في الصدر، والشام باتت في مهب العاصفة، تقول:

يا شام.. يا شام ...

أنا بدون أصواتِك ..أغنياِتك.. حمائمِك... أزقتِك... ياسمينِك..

لستُ غير كلبٍ لاهثٍ ..

يعضُ قمصانَ الغياب ..

هكذا تفتح باب الأسئلة والتي تصب ببعد فلسفي وجودي، أسئلة مسورة بقلق عاشقة عيونها دائما نحو البعيد:

"مَنْ يَحرسُ الغياب؟ كيف أداري هذا الغبار؟ من يمضي بنظرتكَ الممزقة إلى غد المرايا؟ من يسقي وردَ الشبابيك؟! ماذا لو جمعتنا حروفُ النبيذِ؟ ماذا لو دبت الرغبة في قهوة الصباح فوجدتنا معاً؟".

وتتوج تلك الأسئلة بعنوان قصيدة لها، هل أخطأنا الطريق؟ هذا السؤال يدفعها لأن تفتح يديها للحب، وتدير ظهرها لعبث الحرب، وتكتب بلغة غنية بالصور وتدفق الحب:

" ماذا لو زخَ المطر..

ماذا لو أنت معي حبيبي؟

أترى هذا الطوفان؟!

أترى هذا الخراب؟!

عاصفة على الأبواب ..

لو يأتي الحب لأمشط شعري ..

وأقود الخيال إلى المرايا ..

إنها الحربُ حبيبي ..

وكقاربٍ محطم..

يجثم هذا الربيع الرماد.

وتتابع أسئلتها بفجيعة حرب تفرد غبارها على كوكب بأكمله:

موتى في القطار..

يُطلونَ من النوافذ..

ملوّحين بالوداع..

غربان على المدينة

فعلى أيّ هامش نقف

وعلى أيّ قبرٍ نرثي

ما تبقى من غناء

هنا نساء بلا ربّ

وها أنا أركضُ منذ سكةِ الله

يا أبي شرختني العزلة .. يا أبي.

ثمة ما يدفعنا للإنتياه والملاحظة، فهذه النصوص تبتعد عن مألوف قصيدة معظم من يكتبن اليوم، إذ هي تنحاز لروحها أولا: هنا بالذات علينا أن نرى القول الشعري بحدقة النقد لنقول إن فاتن حمُودي تنشغل حقا ببناء جملتها على نحو يتفاعل مع شعرية النصوص، ومع سلاسة تلك الشعرية وتعبيريتها وجمالياتها، وهي تقدم في هذه المجموعة الكثير من حضور روح الأنثى على نحو بهي يطفح بالجمال وينحاز إليه ولكن بانتباه قصيّ إلى ما يحفظ للجمال رونقه الذي لا يبلى ولا يبرد أواره.

وتقول الاديبة السورية فاتن حمودي:

ما بين منصة وأخرى كانت عيوني دائما على القصيدة، والشعر. في محطات العمل كنت أركض دائما من مدينة إلى أخرى، وكان همي أن يقف بيتي بوجه عواصف الحياة، كنت ألعب على الوقت وكأنني حفيدة بينلوب، في هذا الركض أجريت حوارات مع قامات في الأدب، الذين حاورتهم تحت باب "ذاكرة المكان"، فوجدت أدونيس الشاعر المسافر المقيم باللغة، وطلال حيدر عاشقا مجنونا "وحدن بيبئوا متل زهر البيلسان"، وقاسم حداد نشيج عاشق، يبكي بشكل شاهق، وسيف الرحبي محاور الأمكنة والوجوه، وتراجيديا العصف الإنساني.

تنقلت الشاعرة بين الصحافة المقروءة والصحافة المرئية، وكتبت سيناريو أكثر من 30 فيلما وثائقيا عرض على قناة أبوظبي وقنوات أخرى، فتقول عن تجربتها التلفزيونية:

"عملي في تلفزيون أبوظبي فتح لي فرصة إنجاز 13 فيلما وثائقيا عن رواد الفن التشكيلي تحت عنوان (فنان من الامارات)، إلى جانب كتابة سيناريو 13 فيلما وثائقيا عن تاريخ أبوظبي، والذي جاء تحت عنوان (أبوظبي قصة بناء)، فللمرة الأولى يكتب هذا التاريخ تلفزيونيا، تناولت فيه اكتشاف جزيرة أبوظبي، وعائلة آل نهيان، وقصر الحصن، أول بناء على سطح الجزيرة، ثم اكتشاف النفط وتراجع صيد اللؤلؤ، إلى جانب ما خصص من حلقات وثائقية عن الجزر والبترول، ورؤية أبوظبي 2030، والاتحاد، كم أنا فخورة بهذا العمل، وكم أتمنى أن تشكّل هذه التجربة الرائدة في بناء دولة درسا حقيقيا لهذه الأمة".

أعود إلى الشعر، لأقول وفي "قهوة الكلام" تحضر صورة أمها على شكل صوت الأواني ورائحة البهار/ أرملة تسفّ الرمل / تركض بالغناء/ فما بالها المرايا تتناوأ وما بالي/ نلاحظ أن الشعر مشغول بروح الحكاية، ووجوه الأصدقاء، والأماكن والمدن.

المرأة هنا فصول وحكايات ومحطات، تعيد أول الذكريات والحب، وتستحضر في أماكن أخرى عشقها العابر كفنجان قهوة على عجل، وفي مطارح أخرى يحضر العرس والمكان وشجرة التوت وووجوه الأصدقاء، وصورة الأب، والتيمة.

في هذه القصائد، خيط حزن مديد، متمدد، في النهر والمدينة والوجوه، في كل شيء. تقول:

"كلُّ شيء موحشٌ / لا تفتحي نافذةَ الليل فيلسعك غيابه/ وتلسعك الوحدة/ لا تفتحي نافذة على ليل دمشق/ الليل يواري وجهه من نجوم غابت وقمر يسيل دما/ الليل غريب عن ليله/ لا صحو ولا خمرة ولا أنا حبيبي".

عليّ هنا بالذات أن أشير لذلك الرنين الخفي الذي نسمعه في السطور، والذي يمنحها جاذبيّة بالغة الخصوصية، وذات إيقاعات في الروح، تكتبها شاعرة امرأة وكأنها غير مهتمّة بالأسئلة النقديّة، وحوارات النقاد عن الحداثة والتقليدية، هكذا تمضي القصيدة / وجه الشام يدفعني للبكاء هل كانَ عليها أن تشيخَ كي تنسى".

الملفت في هذه المجموعة جمر السؤال... السؤال الذي لا يريد جوابا فقط يأخذك إلى الحال فتصاب بوخز الشعر وجمره.. ربما الصدق الذي تتسم به الكتابة، وهذا النهر الذي يمسك بيدك ويأخذك مرة نحو "الغبار"، وأخرى نحو "مات حصاني"، ومرات "لماذا أنا حزينة" أي خيط حزن وعشق وسؤال؟

أي ترمد وربيع حب وحرب.

وكأن الكتابة وطن ومصباح كأنه سراب أو طائر الأوقات العاصية الذي يشدنا نحو بردى وفرات جلجامش، فهل تبحث الشاعرة عن عشبة الخلاص؟

مازالت فاتن حمودي تصرخ صرخة نشيج.. متى ومتى يأتي المطر؟