أزمات أوروبا تتجه من سيئ إلى اسوأ في 2016

انقسامات تنذر بتفكك التكتل

بروكسل – يقترب العام 2015 من نهايته مثقلا باهتزازات سياسية واضطرابات أمنية عاصفة في أوروبا، ولم يحدث منذ العام 1989 الذي سقط فيه سور برلين وانهارت الشيوعية في شرق القارة أن اهتزت فيها الحياة السياسية بالشدة التي اهتزت فيها العام الحالي.

لكن على النقيض من الاضطرابات التي شهدها ذلك العام (1989) ومهدت الطريق لطفرة في التكامل الأوروبي شهد العام 2015 من الأزمات ما هدد بتمزيق أواصر الاتحاد وترك ندوبا وشعورا بالجزع كما شهد إقامة العديد من الحواجز الجديدة.

وبكل المقاييس، كان 2015 عاما ذاق فيه الاتحاد الاوروبي من الأهوال الكثير. وإذا اختار البريطانيون من خلال التصويت في استفتاء الخروج من الاتحاد فربما يكون العام 2016 أسوأ حالا.

وكان انهيار سور برلين قد أدى خلال عامين إلى اتفاق على طرح عملة أوروبية موحدة وعلى مدار الخمسة عشر عاما التالية إلى توسع الاتحاد الاوروبي وحلف شمال الأطلسي شرقا حتى حدود روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء.

وبدا أن هذا يؤكد ما تنبأ به جان مونيه الذي يقف وراء فكرة الوحدة الاوروبية من أن وحدة القارة ستخرج للوجود من خلال الأزمات.

وعلى النقيض فقد أدى ما شهده العام 2015 من صدمات سياسية واقتصادية بسبب طوفان المهاجرين وديون اليونان وعنف الاسلاميين المتطرفين والتحركات العسكرية الروسية إلى عودة القيود الحدودية في كثير من الأماكن وإلى صعود نجم قوى سياسية شعبوية مناوئة للاتحاد الاوروبي وإلى تبادل الاتهامات في ما بين حكومات الاتحاد.

وقد حذر جان كلود يونكر الذي يصف الجهاز التنفيذي للاتحاد الاوروبي بأنه "مفوضية الفرصة الأخيرة" من أن منطقة شينغن التي لا تطبق فيها أي قيود حدودية ويتنقل فيها المسافرون دون الحاجة لجوازات السفر، قد أصبحت في خطر كما أن من المستبعد أن يبقى اليورو نفسه قائما إذا أغلقت الحدود الداخلية.

ولجأ يونكر إلى الدعابة السوداء بعد القمة الأخيرة في قائمة من 12 اجتماع قمة عقده الاتحاد الاوروبي هذا العام وخصص أغلبها لإدارة أزمات فقال "الأزمات التي لدينا ستظل موجودة وستأتي أزمات أخرى."

وكانت نبرته الحزينة تذكيرا بالوضع على أرض الواقع في ما يتعلق بالروح التي أبدتها المستشارة الألمانية انغيلا ميركل أبرز زعماء أوروبا عندما قالت "بوسعنا إنجاز ذلك" وسعت لتطبيق ذلك على استيعاب مئات الالاف من اللاجئين أغلبهم من سوريا.

ولم تتلق ميركل تأييدا يذكر من شركائها في الاتحاد الاوروبي في اقتسام عبء المهاجرين. وأصرت الغالبية على أن الأولوية لإغلاق الحدود الخارجية للاتحاد بدلا من استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين في بلادهم.

استياء من ألمانيا

ويرجع هذا في جانب منه إلى استياء مستتر من الهيمنة الألمانية على الاتحاد الاوروبي ورد على رفضها المشاركة بحصة أكبر من المخاطر المالية في الاتحاد.

كما يتهم بعض الشركاء برلين بالرياء في ما يتعلق بالعلاقات التي تربطها بروسيا في مجال الطاقة في الوقت الذي يعاني فيه أصدقاء لها مثل فرنسا وهولندا والدنمارك من صعود نجم الساسة اليمينيين الشعبويين المناهضين للهجرة.

وجاء واحد من أشد ردود الصد حول توزيع عبء اللاجئين من فرنسا الحليف الوثيق. فقد قال رئيس الوزراء مانويل فالس عن سياسة الانفتاح التي تتبعها ميركل تجاه اللاجئين السوريين "لم تكن فرنسا هي التي قالت تعالوا’."

وتكاثر المنتقدون على ميركل في القمة التي عقدها الاتحاد الاوروبي بمناسبة نهاية السنة. فقد شن عليها رئيس الوزراء الايطالي ماتيو رينتسي هجوما دعمته فيه البرتغال واليونان لرفضها قبول خطة لضمان ودائع البنوك في منطقة اليورو.

ونددت دول البلطيق وبلغاريا وايطاليا بتأييدها لخط أنابيب مباشر لنقل الغاز من روسيا إلى المانيا في وقت يفرض فيه الاتحاد الاوروبي عقوبات على موسكو بسبب تصرفاتها العسكرية في أوكرانيا وكان سببا في إلغاء مد خط أنابيب إلى جنوب أوروبا.

وقال دبلوماسي استمع إلى ما دار من حوار "كان الكل تقريبا ضد ميركل في القاعة."

وإحدى المشاكل التي يرجح أن تزداد تدهورا في عام 2016 هي أن القادة الرئيسيين في أوروبا ضعفاء سياسيا ومشغولون بتحديات داخلية كبيرة بما يجعلهم يعجزون عن اتخاذ التدابير الضرورية المطلوبة جماعيا.

ويتوقف بقاء ميركل ذات التوجهات المحافظة في المستشارية على قدرتها على خفض عدد اللاجئين المتدفقين على ألمانيا في 2016 وإظهار سيطرتها على مسألة الهجرة.

وبدون ميركل التي يلقبها المواطنون في بلدها "بأمي" تكريما لمكانتها سينزلق الاتحاد الاوروبي إلى ورطة أكبر.

وقد ميزت هجمات المتشددين في شوارع باريس العام في يناير/كانون الثاني وفي نوفمبر/تشرين الثاني بالنسبة للرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند وتسببت في صدمة اجتاحت أوروبا كلها بسبب خطر المتشددين الاسلاميين من الداخل وبسبب فشل التعاون الاوروبي على مستوى الشرطة والمخابرات.

وقد ضعف نفوذ فرنسا في أوروبا بسبب ضعفها الاقتصادي في الوقت الذي يكافح فيه هولاند لإعادة انتخابه في عام 2017 في مواجهة السياسية الشعبوية مارين لو بان التي تمثل اليمين المتطرف وكذلك سلفه المحافظ نيكولا ساركوزي.

ولا يهتم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون سوى بالتوصل إلى اتفاق لإنقاذ ماء الوجه في ما يتعلق بشروط عضوية بلاده في الاتحاد الاوروبي في فبراير/شباط 2016 لتحقيق الفوز في استفتاء حاسم ألمح إلى أنه يأمل بإجرائه خلال العام المقبل.

وقد رهن كاميرون مستقبل بريطانيا فعليا بمحاولة حرمان المهاجرين من دول شرق أوروبا من الامتيازات التي يحظى بها العمال البريطانيون من ذوي الدخول المحدودة والتي يقول كثير من الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي إنها غير قانونية.

وفي ضوء الانزعاج العام في بريطانيا من مسألة الهجرة والجو السائد المناهض للنخبة والارتياب القديم في أوروبا الذي تعمل وسائل الاعلام المتشككة على الترويج له، فإن الاستفتاء قد يحمل في طياته مأزقا كبيرا.

لطمة مدمرة للثقة

فإذا أصبحت بريطانيا صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا وإحدى القوتين العسكريتين الرئيسيتين في القارة، أول دولة يقرر الناخبون فيها الانسحاب من الاتحاد الاوروبي فستكون تلك لطمة مدمرة للثقة في الاتحاد ومكانته الدولية.

ويعتقد أنصار الاتحاد الاوروبي أن خروج بريطانيا سيؤدي إلى تحرير بقية الأعضاء من القيود التي تكبل مضيهم قدما في وحدة أوثق قائمة على منطقة اليورو.

لكن هذه الرؤية تتجاهل الانقسامات العديدة بين الدول الأخرى الأعضاء وعددها 27 دولة من شرق وغرب وشمال وجنوب ومؤيدين لحرية الأسواق مقابل مؤيدين لسياسات الحماية واشتراكيين مقابل المحافظين ومدافعين عن السيادة الوطنية مقابل المدافعين عن التكامل.

والأرجح أن الاستفتاء على خروج بريطانيا سيؤدي إلى مطالب بإجراء استفتاءات في دول أخرى من بولندا إلى الدنمرك وسط مفاوضات لاذعة بين لندن وبروكسل حول شروط انسحاب بريطانيا وعلاقاتها بالاتحاد مستقبلا.

وقد كانت الدنمارك مثالا حيا على مدى المخاطرة السياسية عندما تتوجه الحكومات في أي مكان في أوروبا إلى ناخبيها بالسؤال عما إذا كانوا يريدون توثيق العلاقات مع الاتحاد الاوروبي. فقد كان الرد "لا شكرا".

وإذا فاز كاميرون وبقيت بريطانيا في الاتحاد بشروط محسنة فالبعض يخشى من انتشار العدوى السياسية وإحساس قادة وطنيين آخرين بإغراء الرغبة في تقليد أسلوبه الذي جعل به بروكسل رهينة لأغراض داخلية.

وقال مسؤول رفيع في الاتحاد الاوروبي "للأسف نحن نحتاج لفوز كاميرون. لكنه محفوف بالمخاطر لأوروبا كلها."