القدس مبتدأ الكلام

القدس سيف لا ينام

في ديوانه "ما قاله الراعي لصاحبه" يحتفي الشاعر الأردني هشام عودة بالوطن الكبير الممتد من الجرح الشرقي في العراق إلى الجرح الغربي في وطنه فلسطين، ويوظف مفرداته اللغوية وأحاسيسه الوجدانية في الوقوف على معاناة الإنسان العربي في أوطان تنزف فرقة وتهميشا وإقصاء وتمزيقا.

فذات الشاعر هائمة في حب الوطن، هاجسة بهمومه وعذاباته وهو يئن تحت قيود الاحتلال، فلم يغفل هشام عودة في كل دواوينه الشعرية وكتاباته الإبداعية عن قضية حياته التي أولاها مسؤوليته الإبداعية، فجاءت معظم أعماله ملظومة في خيط واحد هو الحنين للوطن، ومقاساة البعد والنأي ومحاولة إيجاد ذاته في صورتها الأجمل وقد اقتربت من حلم يكون فيه الوطن على مرمى إغفاءة قصيرة، يقول عودة في ديوانه عن القدس مقصد حلمه الأول:

القدس سر الله في ملكوته

وطن من التاريخ

تحمله ذراع فتى شهيد

يستجير بنفسه

القدس سورتنا وصورتنا

وعيدُ الأنبياء

وحمحماتُ الخيل

نقش القابضين على أعنتها

وسيف لا ينام

القدس مبتدأ الكلام

تسير معظم قصائد الديوان نحو الوطن ضمن اشتغال على ثيمات صغيرة ومحاولة لإبعاد شبح الهزيمة والخسارات الشخصية والجماعية التي يحولها الشاعر إلى طريق النجاة، حيث يبدو الافق قاتما ومفتوحا على الغرابة والمرارة فروائح الموتى والقبور سواء مع روائح الطغاة والغزاة والبغاة، لكن الشاعر ما يزال رغم هذه الصورة يمشي على مضض نحو النجاة:

قتلت القتيل

ولكنني لم أشارك بتشييع جثمانه

مثل باقي الرجال

فرائحة الموت واحدة

والقبور سواء

وتختلف الصورة المنتقاة

غزاة

طغاة

ثقاة

بغاة

غير أن المقابر موحشة

والجنازة تمشي على مضض

نحو ركن النجاة.

ولأن الشعر يعادل النور في قصائد "ما قاله الراعي لصاحبه" فإن الشاعر يحمل قنديله ويفترش اللغة الموحية التي يقول من خلالها إن الشعر أكثر حساسية وأوفر شعورا وليس أكثر تفكيرا، فالشعر عند عودة ليس أداة للمنطق والفلسفة، ولا يخضع لقانون خاص كقوانين العلم، وإنما يحتاج إلى قوة التأثير التي تربط بينه وبين قلوبنا مثل دموع عاشقة، وتصل بينه وبين أفكارنا مثل امراة تطارد في الحقول فراشة:

الشعر نافذة الجنوب

إلى جهات الأرض

أرصفة الحيارى

رحلة امرأة

تطارد في الحقول فراشة

ودموع عاشقة

بلا سبب وجيه

الشعر قنديل يضيء نهارنا

ويعود يفترش الرصيف.

ذلك لأن رسالة الشعر عند هشام عودة تكمن في الصلة التي تربط بينه وبين شعره من جهة وبينه وبين القارىء من جهة أخرى، وبمقدار ما تكون عليه هذه الصلة من القوة تكون منزلته من العلو والتأثير وإيصال الرسالة، وهذا سر خلود الشعر وسبب بقائه حين يخاطب القلوب ويلامس الأرواح:

ما زلت قرب دمي

أفتش عن نهار أزرق الساعات

عن مدن بلا أسماء

عن زيتونة حبلى

بوهم كتابة التاريخ

وتحظى غزة قلعة الصمود الفلسطيني عند الشاعر بصورة مغايرة لصور المدن كلها، فهي التي تكتب خارطة المقاومة الفلسطينية وهب التي لا تبالي بالصحف البالية ولا تحتمي إلا بأسوار الثبات العالية التي بنتها منذ اتخذت التضحية والجهاد بابا لها، ومنذ أخذت على عاتق ثوارها مهمة مجابهة الاحتلال والتصدي لقهره وجبروته، إنها غزة التي اعتبرها الشاعر رمزا لكبرياء وكرامة الامة، ومعادل وجداني لروحه وذاته:

هي الآن غزة

لا تحتمي بسواها

ولا تقرأ الصحف البالية

هي الآن تكتب

من دم أبنائها العاشقين نشيداً جديداً

وترسم خارطة عالية هي الآن تختصر الزمن العربي

وتحمل أسماءنا كلها مزنرة بالرصاص.

ويذكر أن لهشام عودة العديد من الدواوين الشعرية نذكر منها: "حوارية الجمّيز والحجارة"، "أمير مجدّو"، "دفاعاً عن اللحظة الراهنة"، "بير الرصاص"، سيرة ذاتية، "علي السرطاوي.. سيرة شاعر"، "وهج الأسئلة.. أحمد المديني يتكلم"، حوار ثقافي، "الشمعة والدرويش.. حميد سعيد يتحدث"، حوار ثقافي.

وله مؤلفات في موضوعات أخرى نذكر منها: "موسوعة الشخصيات الأردنية" و "الأمثال الشعبية الفلسطينية.. قراءة معاصرة".