هل العالم آمن بعد قرار التجفيف؟

انه ارهاب عابر للقارات وعابر للدول، انها شبكات تتمدد ماليا ومعلوماتيا بخفاء حتى يصعب اقتفاء اثرها، هذه خلاصة من الخلاصات التي تتردد بأستمرار عند الحديث عن تمويل داعش ومصادر ثرواته وانتشاره. بل هي نسخة هجينية لارهاب اكثر خطورة من تنظيمات القاعدة وتضارع المافيا في عمليات الجريمة المنظمة من اغتيالات وسرقة وتهريب فضلا عن الايديولوجيا الخطيرة والمضللة، كل هذا يحضر ابان اصدار قرار مجلس الامن الاخير المتعلق بأتخاذ التدابير العاجلة لتجفيف مصادر تمويل داعش على مستوى العالم.

ما بين تهريب النفط والمتاجرة بالاثار والسلب والنهب والغنائم وسائر انوع المتاجرة والسرقة تتراكم ثروات داعش المليونية منذ سنوات على سمع وبصر العالم اجمع وتتدفق سيارات الدفع الرباعي الحديثة طوابير ويدخل العالم في جدل للاجابة عن سؤال من الذي يورّد كل ذلك لداعش وعبر اية حدود؟

الكل سيدفعون عن انفسهم التهمة وكأن تمويل داعش ونفطها وبيع اثارها يجري في كوكب آخر وكأن عقيدتها الفاسدة جاءت من فراغ. سيحار العالم في رسم استراتيجية توقف كل ذلك وستكون عملية التجفيف معقدة ولا تعرف حدود نتائجها، نعم تظهر اللقطات الجوية قصف ابار النفط السورية والعراقية التي يتغذى منها التنظيم ماليا عبر تهريب النفط ويقال ان ذلك قلل من مالية داعش لكنه لم يجهز عليها نهائيا.

في فيلم وثائقي عرضته احدى الفضائيات مؤخرا تظهر شبكة معقدة من المهربين عابري الحدود الذي يعتمدون الرشوة تارة والتزوير تارة اخرى في استخراج التصاريح اللازمة لتمرير نفط داعش المصدّر الى الخارج. فهناك على الحدود بين اقليم كردستان وعند معبر ابراهيم الخليل خاصة تجري صفقات ومضاربات ويتم تحويل الشحنات عبر وسطاء متعددين لتنتهي عند الموانئ التركية.

هذا منفذ واحد من منافذ شتى في ذلك الاخطبوط الذي يغذي داعش ماليا، ليس هنالك نظام امني صارم يسيطر على الحدود يرتبط سواء بمجلس الامن او بالامم المتحدة وليس هنالك غير دعوات متواصلة لتركيا على وجه التحديد لضبط حدودها ومنع عمليات تهريب النفط والآثار، لكنها دعوات تقابلها تركيا بالقول ان مهمة المراقبة صعبة والحدود طويلة وانها بحاجة الى منطقة آمنة.

لتركيا سياستها ومصالحها في قصة تجفيف اموال داعش فكما اوصلت اوربا الى توسيع شراكتها وتسريع قبولها في الاتحاد الاوربي عن طريق الضغط بورقة اللاجئين الذين يتدفقون الى اوربا يوميا عبر حدودها وموانئها فأن هنالك من يقول انها تمارس الضغط نفسه لانتزاع مكاسب على الارض تجعلها تتمدد داخل الارض السورية من خلال مشروعها بأنشاء منطقة آمنة.

وسط هذا هنالك شبكات التهريب التي عرفتها المنطقة لعقود طوال سواء لتهريب البشر او الاثار او النفط او المخدرات وهذه تتوغل في ابعد المناطق خروجا عن سيطرة اية دولة ولهذا تبدو مهمة الرصد والمراقبة من اصعب ما يكون اضف الى ذلك ان داعش قد تمرست في تلك العمليات ولها ادواتها والمنتفعين منها الذين يسهلون النفاذ من خلال اية تدابير امنية.

احتشدت دول العالم تحت قبة مجلس الامن وخرجت بتلك الصفحات الثمان والعشرين نفثت فيها هلعها من تمدد تنظيم داعش وثرواته الكبيرة وهي وضعت اطارا نظريا لخطة تجفيف التمويل ولكنها في الوقت نفسه لا تجد نفسها متفائلة في التوصل الى اثر مباشر وواضح على الارض قد يجعل من داعش تنظيما مفلسا مما سيؤدي الى انصراف اتباعه عنه على فرض انهم عصابات من المرتزقة عندما ينقطع عنها التمويل سترمي سلاحها وتخرج عن دولة داعش وحكمها.

لكنه خيال مسرف، فهنالك المؤدلجين من المنخرطين في داعش والذين لا يهمهم الى اين ستؤول الامور، ولو وصل بهم الامر الى القتال بالسكاكين، فهم فئة خطيرة من الموتورين المتمرسين في الجريمة الذين لايرون امامهم سبيلا الا ان يموتوا او يقتلوا الاخرين ايا كانوا، وذلك هو اخطر المفاصل في تركيبة هذا التنظيم والذي يشكل تحديا حقيقيا للسلم الاهلي على مستوى العالم ويغدو معه التمويل عاملا اخر يسير موازيا مع عوامل الادلجة وغسيل الدماغ والعقيدة الفاسدة التي ما زالت مؤثرة في شرائح واسعة من الشباب المحطم الذي يجد في الانتحار على طريقة داعش خلاصا نهائيا.