جريمة الشرف.. الهواء لم يعد كافيا

الحياة بشرف كثير وهواء قليل

دائما أقول إن ثمة قصصا تحدث في الحياة تشابه السينما وتشابه الروايات وربما أفلام الخيال العلمي، ليس الخيال العلمي تماما وإنما الخيال اللاأخلاقي، أو الاضطراب الأخلاقي بكل ما يحمل من تشويش ووجع وقهر، ما يرتكب في مجتمعاتنا من جرائم بذريعة الشرف يوازي في بشاعته ولاإنسانيته وحتى سورياليته ما يسود العالم من قتامة وما تستعر فيه من دماء.

في هذه القصص التي تنتهك فيها إنسانية المرأة باسم الشرف والعادات والتقاليد والعقيدة، ما يكرس النظرة الدونية للمرأة على اعتبارها أقل مستوى في الإنسانية من الرجل ومن سلطته الأبوية التي تعطيه مجتمعاتنا الشرعية والحق في إدانة المرأة وإصدار الأحكام وتنفيذها أيضا.

بطلة الجريمة التي ارتكبت مؤخرا في الأردن فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة وأبطال القصة الآخرون أصحاب أسبقيات وخريجو سجون، ودافع الجريمة مكالمة هاتفية، والمكان موزع بين عدة جهات والزمان ممتد منذ سنة وأكثر، وأعتقد أنه يتعذر على أقدر ناقد أن يرصد مثل هذه العناصر في رواية أو قصة أو فيلم، توليفية قد تبدو غير حقيقية وغير منطقية تمت إلى فن الظلم المركب أو الكتابة المعقدة أو أفلام الكابوس القهري.

قبل سنة من قتل بطلة القصة يسرب أحد الأشخاص الذي لا يزال مجهولا مكالمة هاتفية مسجلة للشابة التي تعاني من خلل عقلي بسبب نقص الأكسجين أثناء الولادة، كان من نتائجه تأخر في النمو العقلي والإدراك، وصعوبة في الكلام وسلوك وتواصل يشبه تواصل الأطفال مع الآخرين.

يستمع الأخوة أصحاب الأسبقيات ومدمنو المخدرات إلى المكالمة المسربة بين أختهم "شرفهم" وبين شاب، ولنا أن نتخيل محتوى المكالمة فالفتاة تتلعثم في الحديث ولا تعرف كيف ترتب الكلمات، وعلى هذا ربما تحدثت في تلك المكالمة التي لا أعلم مدتها بضع كلمات، ربما قالت اسمها، أو عمرها، ربما ضحكت فقط لنكتة قالها الشاب، أو قالت كلمة شكرا مثلا، إذ لا تعرف أكثر من هذا.

ومنذ سنة والأخوة يحاولون التخلص من أختهم بأساليب كثيرة حتى لا يبدو في موتها شبهة جريمة، فهم لا يحتاجون لأسباب إضافية لدخول السجن، فمرة يأخذونها في رحلة إلى البحر ويحاولون إغراقها، لكن حس الطفولة عندها يجعلها تمرح وتضحك ظانة أنهم يلعبون معها فينتبه الناس ويخاف الإخوة، ومرة يأخذونها إلى سطح البناية التي يقطنونها بحجة تغيير مزاجها وجوها ومحاولة استنشاق هواء نظيف ويحاولون دفعها ورميها لكن حس البراءة أيضا يجعلها تتمسك فيهم، ولسبب ما يتراجعون ويؤجلون تنفسها هواء نظيفا لمرة أخرى.

في مرة من المرات وضعوا لها سم الفئران في كيس "الشيبس"، وتناولته بشهية مقبل على الحياة، لكنها لم تمت وقيل في المستشفى إنها مختلة عقليا ولا تميز بين سم الفئران الذي تحتفظ فيه العائلة في خزانة المطبخ وبين حبات "الشيبس".

في المرة الأخيرة، لم يبال الأخوة بالعاقبة والعقاب فما يزال الناس يتحدثون عن شاب "ضحك" على أختهم، وما يزالون يتقولون ويختلقون قصصا كثيرة، والأخوة مصرون على إيصال رسالة إلى مجتمعهم وناسهم مفادها: لقد قمنا باللازم من أجل الحفاظ على شرف عائلتنا أيها المجتمع، ومن أجل الحفاظ على شرف نسائنا الأخريات اللواتي سيتعظن ويخفن، لقد قمنا باللازم فاقبلونا من جديد بكل احترام.

وقد قاموا بالفعل باللازم، فخنقوا أختهم "شرفهم" بحزام جلدي حتى ماتت، منعوا الهواء عن هذه الروح البريئة التي كانت عصية على الموت، حاربته منذ الولادة، فلم تعبأ بنقص الأوكسجين أثناء ولادتها وعاشت حياتها وهي تبحث بالضحك والبراءة عن ذلك الهواء الشحيح الذي لم يتسرب إلى رئتيها، فظنت أنه تحت الماء حيث حاول الأخوة خنقها في البحر، وظنت أنه على سطح البناية قريب من السماء حيث أخذها الأخوة لتستنشق هواء "نظيفا" لكنه لم يكن هناك أيضا.

لكنها وجدته أخيرا متسللا إليها في غرفة ضيقة على سرير صغير بحجم جسدها وحصتها من الحياة، وجدته خارجا من رئتيها الصغيرتين، لم يكن شحيحا كما اعتقدت، خرج ذلك الهواء رياحا عاتية من صدرها، فما نقصها من أوكسجين لحظة ولادتها زفرت أضعافه من روحها، وهي تنفث الحياة هبات قوية من صدرها.

ليست مادة إبداعية وإنما قصة حقيقية أبطالها طفلة وأخوة أصحاب قيود أمنية كثيرة وأحداثها تصنف كمادة كابوسية، والمكان مكمم وينقصه الهواء، والزمان أيضا يلهث خلف الحياة ويبحث عنها، وذروة القصة تقول: ما تزال المرأة في مجتمعاتنا تأخذ قسطا قليلا من الهواء، وثيمة القصة تقول: ما تزال مجتمعاتنا تعاني من نقص الأوكسجين أثناء الولادة.

قصة حدثت في القرن الواحد والعشرين، على مقربة من القهر والظلم وعلى بعد آلاف الأميال من العدالة والإنسانية، حدثت في مجتمع تتساهل فيه القوانين مع القاتل بداعي الشرف، فبعض قوانين العقوبات تنص على أن فاعل الجريمة يستفيد من العذر المخفف الذي أقدم عليها بفورة غضب شديد، ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه، ولا تردع التشريعات القانونية بصورة كافية مرتكبي هذه الجرائم، بل على العكس فإنها في أوقات كثيرة توفر غطاء يمنح نوعا من الشرعنة وفي أغلب المجتمعات تصدر بحق القتلة براءة موقعة باسم الدافع العشائري والشرط الاجتماعي.