فجيج: موطن مضطرب لأندر أنواع التمور في المغرب

120 درهما للكيلوغرام الواحد

شوارع فجيج هادئة وفارغة تشاهد فيها جدران وردية اللون يغطيها الغبار تقف كحراس على طول طرق هذه الواحة الشرقية المغربية الشهورة بتمورها.

هناك عدد قليل من الطرق لفجيج، وهي وحيدة في هذا الوقت من السنة وباستثناء حافلات النقل المحلي "سي.تي.أم" والمجموعات السياحية بين الحين والآخر، لوحات إعلانات بالية تشير إلى مزارع النخيل في القرية، وهناك العديد من المركبات العسكرية المتوجهة إلى الحدود المغلقة مع الجزائر.

الشرطة المتمركزة هنا تعرف كل سكان القرية، وتولي اهتماماً وثيقا بالغرباء. وتعزل جبال الأطلس المتوسط القرية من ثلاث جهات حيث تبدو قزما أمامها، بينما تنتشر مزارع النخيل إلى أمد بعيد مشكّلة أكثر من نصف مساحة أراضي القرية.

ووفقا للبلدية، تعاني فجيج من الهجرة حيث يقدر عدد السكان رسمياً ما بين 11.000 و 12.500 نسمة، وينكمش هذا العدد بسبب قلة فرص العمل. وعلى الرغم من أنّ سياحة الطبيعة والمهرجان الدولي لثقافات الواحة تجذب ما يقرب من 1600 سائح سنويا، غير أنّ العديد من العائلات التي أقامت يوما ما هنا انتقلت الآن إلى المدن المجاورة مثل وجدة وتعود فقط لقضاء أيام العطل في الواحة، هذا إذا فعلت ذلك. أربعة وخمسين في المئة من منازل القرية التي عددها 2443 منزلا بحاجة ماسة إلى التجديد. الزراعة، وهي الفرع الاقتصادي الرئيسي في القرية، مهددة بالتصحر والجفاف والمرض.

فجيج، بالرغم من كلّ ذلك، ليست بعد في خطر أن تصبح مدينة اشباح. هذه القرية القديمة التي تقع على مفترق طرق التجارة عبر الصحراء يعود تاريخها إلى أكثر من خمسمائة عام، وهي مشهورة بمجموعة متنوعة من التمور منها "عزيزة"، وهي "فاكهة" صفراء - خضراء يمكن تخزينها لمدة عامين وتحتوي على كمية أقل من السكر والماء من أصناف التمور الأخرى وهي نادرة لدرجة أنه يمكن أن تباع بسعر 120 درهم للكيلوغرام الواحد، وهو سعر أعلى تقريبا من ستة أضعاف من مثيلاتها من أصناف التمور الأخرى.

"عزيزة" قد تكون بمثابة نعمة اجتماعية واقتصادية لإنقاذ هذه القرية فإذا كان بالإمكان تنفيذ خطة الحكم البلدي لتوسيع إنتاج "عزيزة"، فإنها قد تخلق العشرات من فرص العمل والاستثمار في البنية التحتية الهامة، مثل التوسع في الخدمات الطبية. فالرعاية الصحية هنا تقتصر حاليا على اثنين من الأطباء المحليين، ونحو 30 في المئة فقط من النساء تلقى الرعاية قبل وبعد الولادة، مقارنة بالمعدلات الوطنية التي نشرتها الجهات الحكومية المختصّة والتي تتراوح ما بين 92.4 في المئة و 87 في المئة.

"عزيزة" نادرة لسبب ما، والطريق للتوسع بها سيكون صعبا فوفقاً للمسؤول الإقليمي، جمال ميموني، تعتبر أشتال "عزيزة" حساسة، ومعدل بقائها على قيد الحياة لتلك التي تزرع تقليدياً يقرب من الصفر بالمائة. ولدى فروع الأشجار الناضجة فرصة من 10 إلى 20 في المئة، ولكنها تستغرق 3-4 سنوات حتى تنضج وأربع سنوات أخرى بعد زرعها لتؤتي ثمارها.

يقول ميموني أن الحكومة تتطلع لهذا السبب الى مختبر حكومي في جنوب مدينة الرشيدية، وهذا ينتج أشتال تمور من قلب شظايا النخيل، مغذيا إياها بفيتامينات لزيادة المقاومة وامتصاص الماء، وتوفير ملجأ معقم لها لمدة عامين. هذه الطريقة، كما يقول، تضمن 100٪ من شتلات غير عزيزة للبقاء على قيد الحياة، على الرغم من أنه ليس من المؤكد أنّ هذه الطريقة ستنجح "لعزيزة". وتأمل الحكومة، مع ذلك، في إنشاء مختبر مماثل في فجيج. تكلفة هذه التجربة عالية جدّا: مسؤولو البلدية يطلبون 600.000 دولار لتحقيق هذا الهدف.

ولكن الفوائد المحتملة كبيرة، وذلك بسبب ارتفاع أسعار تمور "عزيزة"، وكانت المختبرات الخاصة بهذا الشأن مربحة في مكناس والمحمدية ومراكش وأغادير.

تركّز في الوقت الراهن التعاونيات المحلية معظم طاقتها في تخزين وتعبئة وتصدير التمور إلى أجزاء أخرى من المغرب.

وتقدم إحدى هذه التعاونيات التي يديرها الفرع المحلي لوزارة الزراعة مثالاً للبنية التحتية التي ستحتاجها فجيج إذا قامت بالتوسع في الإنتاج توفر هذه التعاونية التي تتكون من 433 مزارع من مزارعي تمور القرية البالغ عددهم 2000 مزارع مساحة للتخزين مقابل رسوم رمزية، وتعالج بالعمليات الصناعيّة 20 طنا من 3500 طن من محصول تمور فجيج في كل عام. وفي موقع 17 في المئة منه فقط من قيادات الجمعيات التعاونية نساء، فهذه الجمعية التعاونية تشغّل 30 امرأة، حسب الموسم، وتوفر أيضاً معدات تصنيع للمزارعين المحليين لزيت الزيتون وحليب البقر.

تدفع الجمعية التعاونية 17 درهم للكيلوغرام الواحد من التمور العاديّة و 90 درهم للكيلوغرام الواحد "لعزيزة"، وتبيع هذه الأخيرة، بدورها، بمبلغ 120 درهم لتغطية تكاليفها الخاصة. التكاليف مرتفعة خاصة بالنسبة للكهرباء التي يقول عنها رئيس الجمعية التعاونية أنه بالمقدور خفضها بشكل فعّال باستخدام الطاقة الشمسية. هذا التخفيض، كما يقول، من شأنه أن يسمح له بتوظيف عشرة أشخاص إضافيين.

ونظراً لحساسية شتلات "عزيزة" فإن تنمية القدرات المعرفية لا يقل أهمية عن نماذج القدرة البدنية هنا. ما يقرب من 30 شخصا في فجيج يعرفون كيفية زراعة "عزيزة" دون استخدام المختبر. وأحدهم هو محمد المنصوري، مزارع من بركان، الذي يعمل في جمعيّة تعاونية خاصّة خارج فجيج بمسافة قصيرة. وهو واحد من شخصين في الجمعيّة التعاونية الذي يعرف كيفية زراعة "عزيزة". إنه يعمل شهرين في وقت واحد، ثمّ يأخذ 10 أيام إجازة لرؤية زوجته وأطفاله التسعة في مدينته. وفي حين أنه من الصعب عليه أن يكون بعيدا عن أطفاله، يقول إنّ لقمة الخبز الذي توفره وظيفته مهمة لبقائهم على قيد الحياة.

وتمتلك الجمعيّة التعاونية حيث يعمل المنصوري 100 هكتار من الأراضي، ولكن تستغل منها فقط 20. وبالرغم من أنّ الإنتاج يركّز أساسا على التمر، غير أنّ أشجار اللوز والزيتون أيضا تنمو هنا. وكان المنصوري قادراً على إدخال أشجار التين.

وعلى الرغم من ربحية "عزيزة"، غير أنّ العديد من المزارعين الآخرين في فجيج يأملون أيضاً في تنويع محاصيلهم من خلال مزارع اللوز والزيتون والرمان والتين التي هي أقل ربحية بكثير من "عزيزة"، ولكنها تساهم في الاكتفاء الذاتي للمجتمع المحلي. وفي فجيج، على الرغم من أنه من المنطق اقتصاديا أن تكون 80 في المئة من المنتجات الزراعية تمور، يقول مسؤولو البلدية أن مستقبل فجيج يعتمد على التمّور، وليس على اللوز.