ما بعد خطاب بوتين: صراع المصالح والاستراتيجيات بين تركيا وروسيا

في مؤتمر صحافي سابق وزيارة لمقر وزارة الدفاع الروسية قبل ايام، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يخطب في كبار ضباط جيشه فيما كانت تعرض على شاشات خلفية من ورائه صور اسلحة روسيا الاكثر تطورا والتي ربما كان بوتين يريد من خصومه مشاهدتها ومن ثم التعرف على حقيقة نشرها بكثافة غير مسبوقة في منطقة الصراع المحتدمة على تخوم سوريا وفي حوض البحر المتوسط. يعلم بوتين ان ذلك هو سباق الاستراتيجيات القائمة على سياسة "ملء الفراغ" وايجاد موطئ قدم كمحصلة اخيرة للصراع القائم الآن على الارض السورية واحدى قواعد الصراع عبر التاريخ، وسط هذا تندفع العسكرية الروسية بأقصى ما يمكن للظهور في مظهر القوة التي لا تُقهَر.

اما عند الانتقال الى ميدان السياسة فسترى بوتين يناور خصومه يريهم اوجه تقارب ايراني- روسي واضح يصل الى درجة التحالف الاستراتيجي لكنه وهو يدرك ان ذلك يثير حفيظة دولة مهمة في المنطقة هي المملكة العربية السعودية فتجده يعلن في خطابة الاخير انه يدرس صفقات عسكرية بالمليارات مع المملكة، فأية مناورة هذه التي يمارسها بوتين وهو يلاعب غريمه التركي وهو يريه نوعا فريدا وغريبا من التحالفات والمناورات على جبهات عدة؟

يحدث هذا وعين الكرملين على تركيا-اردوغان، تترصد خطاه وتصريحاته بالرغم من انها لا ترد على كثير منها، فالرجل لا يقوى على الصمت، ولا التخلص من ردود افعاله الانفعالية. لكن روسيا بوتين اوصلت الامور هي الاخرى الى نقطة اللاعودة على الاقل في الوقت الحاضر وذلك ما ظهر جليا في خطابه بتحذير تركيا وتحديها من ان تحلق اي من طائراتها في السماء السورية انه بكل وضوح وباختصار اعلان واضح: ان السماء السورية صارت حكرا على الدول العظمى فقط وان تركيا ليست من ضمنها حتى ولو اتكأت على الحلف الاطلسي واستنجدت به.

روسيا تريد الخروج من العزلة التي فاقمتها العقوبات الغربية ذلك واضح، ولكنها في موازاة ذلك لا يمكنها بعد الان ان تستوعب ان تبقى لاعبا ثانويا وشاهدا هامشيا،هكذا ارادها الاطلسي وهكذا ارادتها اميركا وهكذا ارادها الاتحاد الاوروبي ان تبقى على هامش الصراع والمصالح. لكن القصة بالنسبة لبويتن صارت مسألة مصير مهما كلفه ذلك من نتائج فقد تمرّد على خصومه منذ ضم القرم وها هو يكمل المهمة في سوريا.

من جانبه اراد اردوغان ببساطة قطع الطريق على مثل هذا الخيال والطموح الروسي خاصة على الارض السورية من منطلق فهم اردوغان نفسه ان تركيا والناتو هما اللاعبان الوحيدان الاقوى والاكثر تأثيرا فيها. ربما ورّطه حلفاؤه في الناتو او ورطته اميركا في سياق حسابات المصالح، ذلك ما ألمّح له بوتين بل ان هنالك من قال انها صفقة تتضمن وضع يد اردوغان على الموصل العراقية في مقابل قطع الطريق على بوتين في سوريا او في الاقل التشويش على مهمته هناك. لكن الصفعة التي كان يوجهها اردوغان الى دول ضعيفة كالعراق وسوريا لم يكن يتوقع ان تتسبب له ذات الصفعة الى روسيا بكل هذه التعقيدات.

الخصمان العنيدان يصولان ويجولان في قلب الشرق الاوسط وكل على هواه يقرأ غريمه. بوتين من جانبه يقرأ اردوغان ويقرأ تركيا في ظل حكومتها الحالية الان على انها لا تتعدى كونها "حزب اخواني" وان اردوغان منهمك بأسلمة تركيا بمعنى الاغراق في الاسلام السياسي الاخواني الذي لم يخفه اردوغان يوما بل انه في زيارته الاخيرة الى قطر ظل يلوح بأصابعه الاربع، تلويحة اخوانية لا تخطئها عين. يردد بوتين علانية انه يشعر بأتاتورك وهو يتقلب في قبره من جراء تصرفات اردوغان، وهو توصيف بليغ لا يمكن ان يكون مريحا لاردوغان.

الحصيلة مرة، يشخصها بوتين فيما يتعلق بالسياسات التركية تحت حكم العدالة والتنمية: اتهامات وادلة تثبت تعاون مخابرات اردوغان مع داعش والنصرة واحرار الشام؛ تجارة نفطية مع التنظيمات الارهابية؛ وفوق هذا هنالك الضغط على تلك اليد التي تؤلم بوتين ممثلة في قصة مجاهدي القوقاز وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، ويصرخ سيد الكرملين في مؤتمره الاخير انهم هناك يتدربون وتحتضنهم تركيا وتيسر لهم العبور الى سوريا والتدريب والتسليح. انه مشهد مرعب بالنسبة له ان اولئك "المجاهدين" ان لم يُقتلوا في سوريا فسيأتون حتما لترويع روسيا.

هي اذا شبكة معقدة من تعارض المصالح بين الطرفين ويبدو ان قصة اسقاط السوخوي الروسية لم تكن الا حلقة من حلقات الكراهية الخفية والصراع المستتر بين الطرفين، ربما تمكن بوتين من اخفاء مشاعره وهو المحنك في ذلك وابقى ابواب التفاهمات والمصالح تتغلب على ما كان يؤرقه من سياسات اردوغان. اما هذا الاخير فلم يستطع ان يتعايش مع تلك التناقضات السياسية ولا ان يشاهد خصما ينازعه على مناطق النفوذ في سوريا ولا ان يتقبل قيام روسيا بقصف حلفاء تركيا واذرعها الضاربة في سوريا والا الاقتراب من شريان الحياة النفطي وتلك هي بؤر الصراع الذي لايريد ان ينتهي بينهما.