نحو رؤية ثقافية لمصر (3 / 3)

خطوات تفعيلية

• الملامح التنفيذية لمحاور الرؤية:

• تزكية الهوية والإنتماء

الهوية المصرية مركبةٌ، متعددة الأبعاد؛ وليست أحادية، أو مسطحة، وليست ذات بُعد واحد.

فلها الوجه المصري القديم، والقبطي، والعربي، والإسلامي، ومكتسبات الثقافات العالمية التي ترسخت في صميم الثقافة الوطنية. وبالتالى فإن المكونات الأساسية للهوية المصرية؛ هى "العربية/ الإسلامية" مكانةً خاصةً في قلب الهوية المصرية.

هذه التعددية في التكوين، وفي الأعماق الحضارية، تمثل ثراءً للهوية والشخصية المصرية، وجعلها هوية منفتحة على التفاعل الذاتي بين مكوناتها العميقة، والتفاعل مع الآخر، بلا انغلاق ثقافى عنصري.

ويعتبر أي تهميش أو الغاء لمكونات تلك الهوية، تهديداُ للمكون الحضاري المصري، ما يلزم معه توجه ثقافي ثابت نحو تزكية تلك الهوية بكل السبل الممكنة والمتاحة.

• تزكية دور المثقف والشباب

المثقف هو الضمير الحقيقي والحي للشعب. دوره الأصيل هو: فاعليته، ودوره في النهوض بالمجتمع وتقدمه.

مسئولية المثقف تكمن في النهوض بالوعي العام، من خلال موقفه النقدي من جميع التيارات المختلفة بالمجتمع، ومناهضته الثقافية لجميع أطروحات وممارسات التعصب والتخلف والظلامية والفساد والقمع، وكل أشكال استلاب العقل الجمعي. ثم السعي نحو فتح آفاق الرؤية تتجاوز الراهن، إلى مستقبل مضيء، وتقصي تلك الآفاق واكتشاف مجاهيلها.

إن إستقلالية المثقف - في الرؤية والتوجه والممارسة الثقافية - هي حجز الزاوية في أدائه لدوره النقدي.

إن الموقف النقدي للمثقف، ورفض استخدامه - من قِبل أية مؤسسة أو هيئة - أداة تبريرية لتوجهات "مشبوهة"، هو ما يجعله الضمير الحقيقي والحي لشعبه.

لعل تفعيل دور المثقف مع الجماهير مهمةٌ جوهرية، من خلال تأسيس كيانات ثقافية مؤسسية ومستقلة، في المجالات المختلفة، لتغيير الواقع - على الأرض - إلى الأفضل والأرقى.

فيما تعتبر التنظيمات النقابية المستقلة للمثقفين، بكافة تخصصاتها، تمثل سندًا ودعمًا قويًّا للمثقف وحركته الفاعلة. كما تلعب دوراً هاماً في رعاية المبدع اجتماعياً وثقافياً، وهو يلزم معه.

• تزكية دور المؤسسة الثقافية

الثقافة الفاعلة ترتكز على: التعليم والإعلام. ولا بد من تأسيس دور المثقف في هذين المجالين من خلال مؤسسات محددة الأهداف. كما أن دعم الكيانات الثقافية المستقلة (المؤسسات والجماعات الأهلية) ضرورة.

بينما يلزم على المؤسسات الحكومية البُعد عن البيروقراطية، وممارسة سلطة خفية تمارس على المتعامل سواء من الأفراد العادية والطفل أو المثقف أو المبدع الذي يتوجب استضافته وتفعيل دوره في نشاطات المؤسسات.

فالمؤسسات ليست سلطةً، بأي معنًى، هي أداة "خدمية" تعمل في المجال الثقافي، لصالح ازدهار الثقافة المصرية، وتحقيق الأهداف المحددة للثقافة.

• خطوات عملية لتفعيل الرؤية الثقافية لمصر

أولا: خطوات بالنسبة للطفل

ثقافة الطفل: هي مجموع الخبرات المكتسبة من ثقافة البيئة بمعناها الواسع أي حصيلة التعلم المدرسي واللامدرسي والثقافة الذاتية. ومن وسائط الثقافة المسموعة والمرئية والمقروءة في المجالين المعرفي والوجداني وثقافة الطفل في ضوء ذلك أشمل من مفهوم أدب الطفل أو تربيته أو رعايته.

- بحث إنشاء المجلس الأعلىى لثقافة الطفل، يهدف إلى الربط بين كل المؤسسات الخاصة بالطفل ثقافياُ، وكل الكيانات الثقافية المعنية بالطفل مثل كليات رياض الأطفال، وغيرها.

- توفير مكتبات الطفل الشاملة، وإعادة النظر في هياكل "المكتبات" العامة للطفل: # يجب أن يصبح المكان الجاذب للطفل. # يجب أن تؤدى دورها في الكشف عن المواهب وتنميتها.

# يلزم تجهيزها للإستفادة من المعطى التقني الرقمي فى أرشفة الكتب والبحث، جنبا إلى جنب المنتج الورقي. # إعداد البرامج التدريبية المتلفة والدورات التقيفية والندوات المتنوعة.

# توفير المنتج الثقافي الورقي والرقمي، على أحدث التقنيات الورقية.

# تعميم فكرة "نوادي الأدب" لتوفير الخدمة لغير القادرين على تكلفتها.

# تنظيم دورات تدريبية لكتاب أدب الطفل، للتعرف على أسرار أدب الطفل الرقمي.

# إستثمار علاقة الجيل الجديد بالتكنولوجيا لتقريبهم من الأدب الافتراضي، فمن المعلن أن ممارسي التعامل مع أجهزة الكمبيوتر في العالم العربي حتى عمر ثلاثين سنة، حوالي 65% من جملة المستخدمين. وهي نسبة يلزم معها التوجه إلى تلك الشريحة العمرية بالضرورة.

# توفير الهياكل الفنية والإدارية المؤهلة المناسبة.

# الإستفادة من نماذج الأدب غير العربي، ونشره للتعريف بتجارب الآخر في هذا المجال.. سواء مترجمة أو غير مترجمة.

# تبني المواهب الجديدة وتوجيهها نحو هذا النوع من الكتابة التي قد تستقطب جمهورًا مقاربًا لهم في العمر، ومتقاربًا معهم في الميول والإهتمامات. وهي شريحة عمرية هامة في مجال التعامل مع الإنترنت والتوجه نحو الأدب الافتراضي.

# الإهتمام بالطفل خارج المدن الكبرى (القرى - مناطق التجمعات الصحراوية).

# رعاية وتشجيع أدباء وكتاب الطفل ماديا ومعنويا.

# تشجيع الطفل للمشاركة في شؤون المجتمع، والتفاعل مع جيرانه ومجتمعه.

# تأصيل الشعور بشرف الإنتماء للوطن، والعمل من أجل رقيه وتقدمه، وحب العمل من أجل الوطن ودفع الضرر عنه. # التنشئة على التمسك بمبادئ وقيم عليا، والربط بينه وبين هويته الوطنية.

# تعويد الطفل على ممارسة الطهارة الأخلاقية، بصيانة النفس والأهل والوطن من كل الأمراض الإجتماعية والأخلاقية الذميمة.. بالممارسة العملية داخل المؤسسة الثقافية.

# بث الوعي بتاريخ الوطن وإنجازاته، وتثقيفه بالأهمية الجغرافية والإقتصادية للوطن.

# العمل على إدراك الطفل للرمز السياسي للعلم والنشيد الوطني. # التعود على احترام القانون، وكذلك الأنظمة التي تنظم شئون الوطن وتحافظ على حقوق المواطنين وتسير شئونهم، والتنشئة على حب التقيد بالنظام والعمل به.

# تهذيب سلوك وأخلاق الصغار، وتربيتهم على حب الآخرين والإحسان إليهم.

# المشاركة في نشاطات المؤسسات الأهلية وإسهاماتها في خدمة المجتمع بالمشاركة في الأسابيع التي تدل على تعاون المجتمع، كأسبوع الشجرة وأسبوع مكافحة التدخين وأسبوع المرور، وأسبوع العناية بالمساجد وغيرها. وكلها تكسب الإعتياد المتفاعل وحب العمل المشترك الجماعي.

ثانيا: خطوات ثقافية عامة

# إعادة هيكلة المؤسسات الثقافية، بما يسمح بزيادة دعم العنصر البشري الإداري للعملية الثقافية.

# تبني الأفكار التي تتيح مصدراً ماليا يزيد من قدرات الإنفاق في تلك المؤسسات.

# العناية بشباب المبدعين في كافة فروع المعرفة والثقافة.

# إعطاء الإهتمام الخاص للشكل الجمعي الإبداعي (المسرح – السينما – الموسيقى - المشغولات اليدوية المحلية.. الخ).

# وضع الخطط المناسبة لوصول الأشكال الثقافية والفنية إلى القرى، والتجمعات مثل الجامعات والمدارس والمصانع.

# إعادة النظر في التشريعات والإجراءات الإدارية والبيروقراطية التي أعاقت الإنتاج السينمائي خلال العقود الماضية، وإستغلال أصول السينما المملوكة للدولة، وإعادة تأهيل وتطوير وتحديث الاستوديوهات ودور السينما، وإيجاد صندوق مالي لدعم هذه الصناعة الكبيرة وفق قواعد فنية وإدارية رشيدة تمكن المجتمع السينمائي من القيام بدوره الثقافي الفني والوطني.

# الإهتمام بسينما الشباب، والفيلم التسجيلى.

# التأكيد على أن يبقى الدعم والرعاية لصناعة الكتاب والنشر.

# وضع الخطط المناسبة لنشر وتوزيع الكتاب (داخليا وخاليا).

# دعم مشروعات الترجمة الحالية وتطويرها.

# الإبقاء على مشروع مكتبة الأسرة، وطرح ما يمكن من تطوير فكرتها.

# التنسيق بين كل مؤسسات الثقافية.

# التنسيق مع الجهات التعليمية وغيرها، لتوطيد التعاون بين المؤسسات الثقافية ودور العلم.

# التنسيق مع المؤسسات الإعلامية لتوطيد التعاون بين المؤسسات الثقافية ومراكز الإعلام (الإذاعة – التليفزيون - الصحافة الورقية - الإعلام على الشبكة العنكبوتية).

# وضع الخطط المناسبة للكشف عن المواهب الشابة في كافة فروع الفنون والآداب.

# العمل على رعاية المبدعين، ودعم الإنتاج الفنى للحصول على عائد مادي مناسب.

# العمل على رعاية وتشجيع متحدي الإعاقة منهم في مجالات: المكتبات والمسرح والموسيقى والغناء والإبتكارات العلمية مع العناية بمشروع رعاية المبدعين بتوفير الدعم المالي.

# التفاعل بين المؤسسات الثقافية الحكومية، والمؤسسات الأهلية، ودعمها بما يتيح الفاعلية الإيجابية للمجتمع في التثقيف والتوعية.

# التواصل مع اتحاد الكتاب، بحيث يصبح المؤسسة القادرة على إعانة الأديب إبداعيا ومجتمعياً.

# التواصل مع النقابات الفنية، والتعاون معها.

# دفع الشباب إلى مواقع القيادة الثقافية.

# تشجيع دور النشر الصغيرة الشابة، لمزيد من الرواج في سوق الكتاب.

• تحديات تنفيذ الرؤية الثقافية لمصر وبعض الحلول

أولا: تحدى المشرف والإدارى الثقافي وأدواره # تعاني كلا المؤسسات الحكومية وغير الحكومية من قلة المشرفين المتخصصين.

حيث يبرز دور المشرف في:

أ‌- إكتشاف وتنمية الموهوبين، من الأطفال والشباب.

ب‌- تقديم المساعدة المناسبة والمتاحة، سواء في اختيار نشاط الطفل أو تفعيل موهبة الشباب.

الحلول المقترحة:

1- إعداد وتنظيم دورات تدريبية تخصصية للعاملين فى المؤسسات الثقافية.

2- إعادة هيكلة تلك المؤسسات بحيث أن يتولى العمل الاداري من هو أكثر إنجازا في قطاع عمله (أدب ونشر - فنون السينما والمسرح والموسيقى وغيره).

3- تعظيم دور قيمة التطوع الثقافي لمن يرى في نفسه القدرة على أداء تلك المهمة.

ثانيا: تحدى إحجام البعض في التردد على المؤسسة الثقافية.

- بالنسبة للطفل:

الفتيات أقل الفئات تردداً على المؤسسة الثقافية.

كما تلاحظ أن أطفال الطبقة الدنيا – وأطفال الطبقة العليا من شرائح المجتمع.. أقل تردداُ على المؤسسات الثقافية.

- بالنسبة للشباب:

شعور البعض بالإهمال وعدم الإهتمام الشخصي.

إحتكار البعض لغالبية الانشطة، والاستفادة من التسهيلات المتاحة، دون غيرهم..

عدم خروج نشاط تلك المؤسسات إلى أماكن التجمعات الشبابية.

الحلول المقترحة:

1- إعادة تأهيل الكوادر العاملة بالمؤسسات الثقافية.

2- برامج نشطة لخروج النشاطات الثقافية الى أماكن التجمعات الشبابية، والى القرى والنجوع.

ثالثا: تحدي عدم توافر الإمكانيات المادية بالمؤسسة:

- تعاني كلا المؤسسات الحكومية وبعض غير الحكومية من:

- قلة الأجهزة اللازمة لتوافر مناخ ملائم للنشاط، مثل أجهزة الكمبيوتر، وأجهزة المسرح والسينما.

- عدم وجود حوافز مادية وأدبية للأطفال والشباب الموهوب.

الحلول المقترحة:

1- توفير مراكز صيانة مركزية في كل محافظة، لتوفير أكبر قدر من تكلفة الاصلاح والصيانة.

2- إعداد لائحة مناسبة للحوافز الادبية والمادية.

رابعا: تحدى قصور البرامج الثقافية

- أغلب الأنشطة لا تناسب طفل القرن الحادي والعشرين خاصة بالمؤسسات الحكومية التي تعاني من العقبات وقلة الإمكانيات.

- يغلب على الأنشطة الثقافية أنها داخل الحجرات ولا تتفاعل مع البيئة المحيطة.

الحلول المقترحة:

1- توفير البرامج الحديثة وفنون الكمبيوتر.

2- توفير برامج للتعرف على البيئة المحيطة.

خامسا: التحديات التي تواجه المؤسسات الثقافية

- التحديات الاقتصادية.

- عدم الإهتمام بثقافة الطفل.

- التحديات التكنولوجية.

- عولمة الثقافة.

# الحلول المقترحة:

1- فتح أسواق بيع المنتج الثقافي بما يوفر عائدا مناسبا للمؤسسة.

2- تشجيع باب التطوع الثقافي.

3- إعطاء النشاط الخاص بالطفل اهتماما خاصا.

4- تنشيط الدورات التعليمية للتقنية الرقمية وتعليم الكمبيوتر.

5- تزكية التراث المصري القديم والعربي ضمن النشاطات المختلفة.

6- تحديث المكتبات وتزويدها بالجديد من الأجهزة والمعدات.

7- بالنسبة للطفل: تزكية الأنشطة التي تكسبة قيمة الإنتماء للهوية المصرية:

أولا: التعرف على التراث الشفهي (التي ترسخ القيم النبيلة).

- ثانيا: التعرف المكاني والزماني لعالم الطفل.

- ثالثا: القدرة على إكتساب المعارف والعلوم.

سادسا: تحدي الأمية

وهو ما يلزم معه المشاركة تبني المؤسسات الثقافية لمواجهة هذا التحدي، مع المؤسسات الأخرى: التنسيق مع الهيئة العامة لتعليم الكبار. وضع برامج محو الأمية ضمن نشاطات قصور الثقافة أساسا.

• خاتمة موجزة:

أما وقد أصبح المفهوم الجديد للثقافة، لا يقتصر على كم المعارف التي يتحصلها فقط، بل امتد ليشمل التفاعل مع البيئة المحيطة بالمثقف، بحيث يتحلى المثقف بحل المشكلات اليومية بإبداع لحلول مناسبة وجديدة. وهو ما يعبر عن "الانتماء".

إن الرؤية الثقافية لمصر هي قاطرة التقدم للمستقبل، وقد تجلت على محورين:

# المحور الأول: دعم وتزكية الإنتماء إلى الوطن، ومواجهة الأفكار الظلامية، من خلال (التعريف بقضايا الوطن والإهتمام بالطفل. مشاركة الشباب مع توفير سبل الثقافة والمشاركة العامة الإدارية والإبداعية. ثم رفع شعار الثقافة الجماهيرية أو الثقافة للجميع).

# المحور الثاني: يعتمد على عدد من الإجراءات التنفيذية (تفعيل دور المؤسسات الثقافية المختلفة، مثل هيئة قصور الثقافة، والمجلس القومي للترجمة، المركز القومي للطفل وكل الإدارات المعنية بالطفل. تسويق جيد للمطبوعات والمسرحيات والأفلام وغيره (تلاحظ أن الهيئة المصرية العالمة للكتاب تصدر 11 مطبوعة غير فاعلة، هيئة قصور الثقافة تنتج مسرحيات لا تعرض إلا لليلة واحدة). ثم دعم بعثات التبادل الثقافي والسياحة الثقافية.

وفي إطار ذلك تتعاون كل وسائل المؤسسات المتاحة لتزكية مفاهيم الهوية والإنتماء إليها.

Ab_negm2014@yahoo.com