الشعر النسائي العربي .. بين الانغلاق والتحرر (2)

أبكي كلَّ يومٍ، كي لأ أشيخَ

يستمر الابداع الشعري منطلقا نحو عالم يحاول بكل السبل قمع تطلعات المرأة نحو الحياة ككائن إنساني يمثل نصف المجتمع، فهي كما الجميع تغني وتنشد لتلك الحياة التي تتمناها لها ولوطنها، فالأمر ليس منوطا لعالم الرجال فقط.

وانموذجنا في ذلك المنحنى مجموعة أخرى من شاعرات وضعن بصمتهن بقوة في عالم الادب وبشكل خاص الشعر.

فرات أسبر الشاعرة السورية المغتربة، اختزلت كل الوجع السوري وحبها الجم والمتدفق لأرض احتوت طفولتها وصباها ومرجعها الاخير. هي تكتب بروحية تفوق أي انتماء أثني آخر، فلا الطائفة ولا الدين، انما هي عربية سورية بامتياز. وتلك الغربة الممزوجة بالبكاء وتمني العودة كما تعود الطيور المهاجرة، فتقول:

أبكي كلَّ يومٍ، كي لأ أشيخَ

ومنذ أن وُلِدتُ وأنا أبكي

ضَللتُ الطّريقَ،

طائرٌ لا أشبهُ الطّيورَ،

السُّنونُو يعودُ

والحمامُ الزّاجلُ

فهل لي أن أقيسَ خصْرَ الأرضِ

كم من مسافةٍ تُبعدُني

وتكسرُني

كي لا أعودَ.

يا غزالُ .. المِسْكُ دَلَّني إلى عطرِكَ المجبولِ بطعمِ تلكَ الأرضِ

إنّي أبكي عليها تلك التي اشتعلت بالحروب

وقريبا من الوجع السوري، يجاوره وجع اخر خلقه غزو همجي قلب مفردات الحياة، فجعلها جحيم يشتعل كل يوم. إنه العراق بلد التاريخ والحضارة الذي زرعه الغرباء أشواكا.. وبعض بقابا شجر غير مثمر ولا مخضر. بلد كانت أولى صفاته المدنية والحب المستمر، فكان للمرأة العراقية النصيب الاكبر في أن تتحمل القسوة التي أنتجتها تلك ظروف الهجمة الدموية التي جاءت عبر المحيطات لتعلن الحزن بدل الفرح والموت بدل الحقد والموت بدل الحياة:

فصورت تلك التغيرات البشعة الشاعرة العراقية فرح دوسكي في قولها:

فتى

يضطجعُ مع الذهب

يمد يده، يلمسُ موتاً مبللاً!

... وطن

في غرفة نومه شاعر يلتوي على ذاته

محشو الى ما لا نهايةَ

...أرض

وهي تداعبه، تضغط على عنقه

تطلبُ خبزا ، المنظر العاري.َ

...احلام

مختبئة بالمأجورين

زقاقها شباك الى الاسفل!

... قرد

يبحث عن أثداء صغيرة بيضاء

قرحوالوهن يعتريه!

فرح دوسكي

ومع ذلك الهم اليومي لكن العراقية ما زالت تمنح حبيها ذروة الحب وتنهض معه لتكوين مستقبلا زاهرا آخر بديلا يجعل الحياة اكثر نقاوة وجمالا. وفي جرأة تقول الشاعرة العراقية رائدة جرجيس:

في سلتي

أجمعُ النبلاء

أهديها لك ذات صباح

الابيضُ كروحك

والاحمر

كوهج عشقك

الكل ينحني ليشم الورد

إلا أنت

تتراكضُ الورود لشمك

فعِطرُك بعض جسدي

ويبقى عطاء المرأة العراقية سخيا وهي تمنح الآخر عمق عشقها كواحة زاهية مشرقة تملأ الارض وهجا بعد ظلام. فتنشد الشاعرة العراقية رشا البنا بحذر متجاوزة تقاليد رسمها الغير بغير حق:

بحذر شديد..

كنت ... ارسم على صدرك وردة ..

فشممتُ عطري تسابقني انفاسك ..

لأقطف قبلة ..

وجبين الشوق يندى لحرارة تلك اللحظة!

أخبرني بحق الهوى ..

من علم أناملك ..

تكتب على جسدي قصيدة.

وهناك في لبنان وبالتحديد في بيروت الحب والحياة حيث روعة الحياة وتقدمها رغم حدود الامكانيات.. لكنهم يصنعون الفرح بالقصيدة أو الموسيقى أو الرقص. هم يحبون الضياء ويرفضون العتمة، متفائلون حد التفاؤل أن هناك مستقبلا جميلا قادما. وأكيد أحد صناعه المرأة العربية اللبنانية. تقول الشاعرة للبنانية منى عبدالله:

كلماتي، كمفاتيح البيانو..

لا معنى لها دون عازف..

ويستساءلون عن سر أنغامي!

سأتركهم في تيه ..

بين سؤال ويقين ..

وعودة الى ما انبثق عن اناملك من روعات..

دو...نكَ ، لا عزف ولا نغم ..

ري....اح قلبك إلها...مي

وهي ايضا تحمل سر تألقها, هو ذلك القلب الكبير:

قلبي ..

هو يَقيني ...

ويُقيني شر الوسواس القاتل..

رائدة جرجيس

قلبي يحتويك ... آية ..

تدفع عني كل سوء..

يا أنت .. يا قلبي

وفي مغارب الأمة العربية، وبالتحديد في المغرب هناك ثورة نسائية أدبية تستلهم في عمقها ذلك التاريخ الذي لا ينفصل لأمة العرب. المغرب البلد العربي الجميل يحمل في أزقته عبق حضارة لم ولن تنتهي. وجمال لسان وشجن، فالمرأة هناك رائدة وقائدة تتقدم بثقة واقتدار وتمنح وطنها جل حياتها من أجل تقدمه وازدهاره، فهي تبتسم رغم كل ما حصل وسيحصل. ومن غيرها قنديل يملأ الأرض الضياء.

وتبرز لنا بوضوح الشاعرة المغربية ابتسام حوسني:

امرأة كتلة من عمل ونشاط. برامج وورش عمل. مهرجانات ومنتديات. وهي تطرح نفسها من خلال ترؤسها لاتحاد مبدعي المغرب للكتاب والأدباء. ليس من فراغ إنما من جهد بانت نتائجه في نشاطها الراقي الجميل.

فهي ابتسام وتقول عن تلك الابتسام:

أنا الابتسام! والبسمة لا تفارق فمي

يوم مولدي .. كل ملوك الدنيا تطأ قدمي؟!

وأنا الموصوفة للفرح ..

لا أسخر قلمي ..

فهو السبيل الأبدي للسخرية من أمم

وهو الشاهد عذرا على جذوري منذ القدم

.. يغلي رصاصات ..

كلما في جسمي انفجر..

دمي براكين غضب و"لافات" حمم

كي لا يستر إخفاقات قومي في ميدان الرغبة..

اتاوات بثمن علمي تمرغه بالتراب ..

لا يتكلم لزاما يصمت ..

حيث الكلام واجب بساحات الألم

يبدو معالم الثقة بالنفس تملأ عقل شقيقتنا المرأة المغربية وهي تقتحم بوابات الحياة من أواسع محلاتها، لاتخاف المستحيل.

وهناك أيضا أنموذج جميل لتك النهضة هي الشاعرة المغربية حفيظة اجديك (زهرة الجنوب) ثقافة وعشق. تتخطى كل حواجز الكون لتمنح كل الفرح لمن تحب، فقلبها وسادة مستريحه لمن يستحقها:

ابتسام حوسني

اسقني خمرة من شفاهك .. اني منهما يصيبني الحنين ..

لا ترحل فشعاع الجنون أحمله في كبرياء..

سأعيد بك ترتيب الزمن حين اللقاء..

أَحِبَّنِي صغيري وطهِّر محرابي من شغب كل الرجال..

ارسم بسمة على ثغر السماء ..

ومن دموع الأسى..

ارسم خريطة عشق مزقتها حبات رمل الزمن ..

فقط لا ترحل إني أخاف الصحوة فوق أوراق الذكريات ..

وعند جزائر الشطآن حيث البحر والصحراء والشمم.. أيضا صوت نسائي نراه يعلو هناك يقدم لنا أنموذجا لذلك الحب والعنفوان، الشاعرة الجزائرية رانيا علي:

هـذه أنـا ..

مـــا زلـت عذراء بداخلي ..

يرقــبها القـدر ..

أغـازل الفـرح بهـمس خجـول ..

بيننا برزخ مـن الصـمت ..

وشاح معـطر على جيدي ..

يشتهي عناق منك ..

نعاس يأبى ملامـسة الأرق

تلك بعض ملامح الشعر العربي تناولنا قسما منها، وسنتجول في أرجاء وطننا العربي الكبير حيث الحب العذري والكبرياء الانثوي في حلقة أخرى إن شاء الله.