الجزيرة المعزولة

التمسك بخيارات العالم الافتراضي

دبي - عندي هاتفي المحمول الذكي، وحاسوبي أيضا وعندي لوح رقمي وخط انترنت سريع وأصدقاء كثيرون على فيسبوك وتويتر وغوغل بلس وبادو وواتساب وتانغو، عندي كل ما أحتاج إليه في غرفتي ولا أحس برغبة في الخروج من البيت، فعالمي موجود معي هنا.

هذا حال الكثيرين في عصرنا هذا حيث يجلسون وحيدين في غرفهم المعزولة عن بقية أفراد الأسرة ويمارسون نشاطاتهم وتواصلهم مع الآخرين بنقرات على لوحة المفاتيح في حواسيبهم ولمسات خفيفة على أجهزتهم الذكية الأخرى.

فيما قبل الانترنت وانتشار مواقع الدردشة والتواصل الاجتماعي كانت عزلة الفرد سببا أو عرضا من أعراض المشاكل العاطفية والنفسية التي قد يتعرض إليها الفرد وعادة ما تنشأ في مرحلة البلوغ المبكرة وتستمر مع الإنسان ويعاني من مشاعر الإحباط والقلق والحزن والتوتر والشعور العام بعدم الرغبة في القيام بأي نشاط بدني أو عقلي.

لكن الوضع اختلف الآن في السنوات الأخيرة فقد ساهمت التكنولوجيا الحديثة في زيادة درجة العزلة الاختيارية في المجتمعات ولم تعد هذه العزلة خاصة بعمر معين أو عرضا لمرض نفسي أو أزمة عاطفية، وربما أصبحت هي نفسها الأزمة التي تعاني منها المجتمعات في كل مكان، فمع ظهور مجتمعات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت زادت خيارات القيام بالأنشطة الاجتماعية التي لا تتطلب التفاعل الجسدي في العالم الواقعي وأصبحت غرف الدردشة ومنتديات الإنترنت وغيرها من أنواع المجتمعات عبر الإنترنت تلبي احتياجات أغلب متعاطي الانترنت الذين يفضلون البقاء في المنزل وحدهم.

وأصبح بإمكان الكثيرين تكوين مجتمعات من الأصدقاء عبر الإنترنت واستبدال أصدقائهم الحقيقيين بأصدقاء افتراضيين، لكون هذه العلاقات لا تحمل أعباء اجتماعية ولا تلزم الإنسان الخروج من البيت وزيارة صديقه أو صديقته إذا مرض مثلا أو تعرض لحادث أو تزوج أو لمناسبة خاصة مثل عيد ميلاد أو تهنئته بذكرى خاصة، فكل ما على الفرد أن يبعث إليه بكبسة زر صورا لورود أو مقتطفات شعرية خاصة بمناسبته، ليس عليه إلا أن يبحث في غوغل ومحركات البحث الاخرى عن عبارة مناسبة ويبعثها إليه.

هذه الصداقات الالكترونية تعطي الإنسان الحرية أن يخرج منها متى ما أراد ويعود إليها في الساعة التي يختارها، وبكل سهولة وبدون محاسبات وعتاب كما في الحياة الواقعية ولا يوجد فيها الضغط الاجتماعي الواقع على النفس في العلاقات الحقيقية، بالإضافة إلى أنها تعطي الإنسان مساحة كبيرة للتحدث عن نفسه بدون خوف أو رقيب سواء أكان يعطي الآخرين بصدق حقائق عن حياته أو شخصيته أو كان يدعي ما يقول ويخلق لنفسه شخصية أخرى رقمية يشبع من خلالها حاجات نفسية وهمية، ويحاول أن يشبع أيضا عقد نقص خاصة من خلال هذا الادعاء.

هذا كل ما في الأمر بمنتهى البساطة والسرعة، وغالبا لا ينتبه الإنسان إلى الحالة التي يضع نفسه فيها بين الاسلاك الكثيرة والشاشات الزرقاء، ولا يشعر بالتغيير الذي يعتري حياته إلا عندما يشعر بالإحباط والوحدة على الرغم من كثرة الأصدقاء الرقميين وكثرة رنات الرسائل التي تصله كل لحظة، وكثرة الورود والوجوه الضاحكة والمقتطفات الرومانسية التي ترد إلى بريده الخاص على مدار الساعة.

وأصبحت البيوت تتكون من جزر صغيرة منعزلة عن بعضها، حيث يعتكف كل فرد من أفرادها في غرفته الخاصة مع عالمه الافتراضي حيث يقوم كل واحد فيهم بأنشطته الخاصة التي لا يستطيعون في الغالب القيام بها أو المشاركة فيها في الحياة الحقيقية بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية والضوابط القيمية الأخرى، معبرين في عزلتهم عن الهروب من الواقع عبر تقمص شخصية أخرى وهمية في عالم افتراضي ووهمي لا تحكمه تشريعات أو قوانين بل تعود ضوابطه إلى الشخص المستخدم لهذا النوع من التواصل ذاته.

وأكثر ما يدفع الشباب بالذات إلى الهروب إلى هذه الحياة الثانية هي الفجوة التي يتعرضون إليها والتي تنشأ بين الأفكار التي يتلقونها من آبائهم وأمهاته وبين الأفكار الجديدة والعصرية التي يطلعون عليها من خلال قراءاتهم وتواصلهم مع آخرين بمثل سنهم، مما يجعل العلاقات الجافة التي تسود الأسرة سببا في لجوء الشباب إلى أصدقاء وهميين مفضلين هذه الحياة الافتراضية على حياة واقعية لم تعد تناسب -حسب تفكير الشباب- تطلعاتهم وأحلامهم العصرية.

وتشير كثير من الدراسات الاجتماعية الحديثة إلى أن الاستخدام الفردي للهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة اللوحية والإنترنت يعزز الرغبة والميل للوحدة والعزلة عند المراهقين والشباب مما يقلل من فرص التفاعل والنمو الاجتماعي والانفعالي الصحي الذي لا يقل أهمية عن النمو المعرفي وحب الاستطلاع والاستكشاف الذي يبحثون عنه في المواقع الكثيرة.

وتؤكد هذه الدراسات التي تناولت شرائح مختلفة في المجتمع أن استخدام الانترنت يعرض الشباب والمراهقين إلى مواد ومعلومات خيالية وغير واقعية مما يعيق تفكيرهم وتكيفهم وينمي بعض الأفكار غير العقلانية وخصوصاً ما يتصل منها بنمط العلاقات الشخصية وأنماط الحياة والعادات والتقاليد السائدة في المجتمعات الاخرى‏، فعلاقات الصداقة أو العلاقات العاطفية التي يكونونها في مجتمعات الانترنت هي غالبا علاقات مثالية لكون الادعاء هو السلوك الأعم عند مستخدمي هذا النوع من العلاقات، وهذا ما يصيب تفكيرهم وتوقعاتهم الواقعية بالارتباك، وهذا الارتباك يأخذهم بعيدا إلى تلك الجزيرة المعزولة حيث الخيال أكثر تقبلا عندهم من واقع تحكمه ضوابط ومعوقات كثيرة.