إلى من يهمنا أمرهم

إعلان للنص وتقديم له

عندما نبدأ بقراءة كتاب فإن أول ما نبحث عنه في الصفحات الأولى هو إهداء الكتاب، نفتح الصفحة ونتمعن فيه كثيرا ليقيننا بأننا سنجد جانبا من خصوصية المؤلف، نتفحص الإهداء بعين الجاسوس واثقين أن الكاتب ترك جزءا من ذاته وروحه في الإهداء، ثم نشرع في القراءة ونحن نفتش بين السطور عن صاحب الإهداء ونتعقب وشاية الكلمات ونميمة التعبير.

والإهداء تقليد فني يتخذ غالبا صيغة ذاتية وأسلوبا شاعريا يفيض عذوبة ورقة، يحمل رسالة خاصة إلى من يهمنا أمرهم، وإذا تأملنا الإهداء خاصة في الكتابات الشعرية والسردية من رواية وقصة نجد أنه يعبر عن انتقال من أنا الكاتب نحو الآخر سواء كان المهدى إليه أو القارىء، ويعبر عن ميثاق تواصلي مع الآخر قوامه المحبة أو الصداقة أو العلاقات الخاصة والمشتركة في الحميمية التي تربط بين الكاتب والمهدى إليه الذي غالبا يكون معروفا عند المؤلف ونادرا ما يكون مجهولا، فحتى الإهداءات التي لا يخص فيها المؤلف شخصا مقصودا باسمه أو بالإشارة الرمزية إليه فإن ثمة إيحاء ورسالة يريد الكاتب أن يخص بها أحدا وهي بمثابة وسيط لشرح حالته العاطفية تجاه ذلك الشخص.

وربما يعتقد بعض القراء والمهتمين أن الإهداء فائض لغوي لا قيمة له ولا يمت للنص بصلة، لكن النقاد اعتبروه نصا منفصلا وموازيا للعمل الادبي فهو إعلان للنص وتقديم له وممر بين الكاتب والقاريء، ممر وجداني يوجه القاريء نحو النص، واعتبر النقاد الإهداء عتبة من العتبات المحيطة بالنص مثل اسم المؤلف والعنوان والتقديم والاقتباسات باعتبارها جميعا تؤلف نصا موازيا للعمل النصي، فهي جميعا بما فيها الإهداء تؤطر لمعنى النص وتوجهه سلفا.

ولأن الإهداء ينتمي إلى ما يسمى في النقد عتبات النص أو النص الموازي فإن هناك مسؤولية إبداعية كبيرة تقع على كاهل الكاتب وهو يختار صيغة إهدائه، لكون الإهداء ملصقا مخلصا وصادقا تجاه علاقة معينة تربط بين المبدع وبين أحد الأشخاص أو مجموعة منهم أو كيان خاص، وعليه فإن وظيفته ليس فقط إبلاغ المهدى إليه وإنما جذب القراء إلى تلك الإشارة الخاصة بتقصد غير معلن ضمنيا، وهنا تكمن قدرة المبدع على إضاءة نصه بعتبة يتلهف إليها القارىء ويبحث غالبا عنها في الصفحة الأولى.

ولاتعد ظاهرة الإهداء ظاهرة ثقافية وفكرية جديدة لكن الحركات النقدية الجديدة أعادت إليه اعتباريته فالإهداء قديم قدم الكتاب نفسه، وقد ارتبط به على مر عصور الكتابة التاريخية، سواء كان ذلك الكتاب مسودة أم مخطوطة أم مطبوعة أم مدونة رقمية، وهذا ما تؤكده الحفريات المختصة بتاريخ الكتابة، إذ يؤكد المؤرخون أن جذور الإهداء تعود على الأقل إلى الإمبراطورية الرومانية القديمة، فقد عثر الباحثون على نصوص وأعمال شعرية مقترنة بإهداءات خاصة وعامة.

وظل الإهداء محتفظا بوجوده في العصور الكلاسيكية، وارتبط الإهداء بعنوان الكتاب واسم المؤلف في القرن السادس عشر، ومع مرور الزمن صار الإهداء تقليدا أدبيا و خلقيا و منهجيا في الأعمال الإبداعية إلى يومنا هذا.

وهو تقليد عرفه الشعر العربي القديم والحديث، فكان الشعراء يهدون القصيدة ملفوظة إلى الأمراء والملوك وإن كان شكل الإهداء هنا لأغراض أخرى لكن الظاهرة لم تكن غريبة في مجتمع الشعراء العرب قديما.

وفي العصور الأدبية الحديثة أصبح للإهداء قواعد وأصول في كتابته وأصبح رفيقا لمعظم الكتب، ومن ضمن أصول كتابته أن يكون الإهداء على مستوى التركيب اللغوي مؤلفا من كلمة أو نص قصير أقله جملة واحدة مكثفة، ويكون مرتبطا بتقديم الكتاب، ويحمل عناصر التواصل الأساسية من مرسل ومرسل إليه ورسالة خاصة بلغة إيحائية إذا كان المهدى إليه تربطه بالمبدع علاقة خاصة، وثمة إهداءات كثيرة تكون على شكل قصة مكثفة وقصيرة تحتوي على شخصية وحدث مثلها مثل العمل الإبداعي نفسه.

ومن الإهداءات التي لفتت الانتباه لها في وقتها، واعتبرت نموذجا جميلا ومؤثرا وخاصا وموغلا في الرقة والإنسانية ما كتبته الروائية اللبنانية غادة السمان في الصفحة الأولى من روايتها "كوابيس بيروت" حيث أهدت كلماتها: "إلى عمال المطبعة الذين يصفون في هذه اللحظة حروفها رغم زوبعة الصواريخ والقنابل، وهم يعرفون ان الكتاب لن يحمل أسماءهم.. إليهم، هم الكادحون المجهولون دونما ضوضاء كسواهم من الأبطال الحقيقيين الذين يعيشون ويموتون بصمت، ويصنعون تاريخنا، إليهم، هم الذين يكتبون الكتب كلها دون أن تحمل تواقيعهم، إلى أصابعهم الشموع التي أوقدوها من أجل أن يطلع الفجر أهدي هذه السطور".