عمارة.. لا يُرضي السلفیة رغم تنازلاته

سلفي بعقله عقلاني بقلبه

مهما قدم من یتسمون بالمعتدلین الاسلامیین من تنازلات للمتشددین السلفیین باسم الاعتدال الا انهم لا یرضون عنهم حتی یتبعوا ملتهم و مذاهبهم. فالذي یموت علی غیر مسارهم: اما مبتدع، او منحرف او ضال او مات علی غیر ملة الاسلام!

انظر علی سبیل المثال الامام ابي الحسن الاشعري الذین یترضون عنه فقط لانه بزعمهم قد عاد الی جادة السلفیة في مرحلته الاخیرة! هذا اذا صحت قصة الکتاب المنسوب الیه بعنوان الإبانة عن أصول الديانة، و الذي يقرّر الكثير من الباحثين بكون النّسخة التي وصلتنا من هذا الكتاب حافل بکثیر من الدسّ والتّحريف. وفي ذلك يقول العلاّمة الكوثري بهذا الخصوص: ومن غريب التحريف ما دس في بعض نسخ الإبانة للأشعري كما دس فيها أشياء أخر))، كما أن النسخة الرائجة توحي بالتجسيم، وتتهجم على الإمام أبي حنيفة يصل إلى حد تكفيره، و‌ذا یستحیل قوله من قبل الاشعري.

وانظر الی قائمة الذین کفروا ابي حنیفة من السلف، قود جمعه احدهم في مجلد کامل، کله تکفیر و شتم و لعن لهذا الامام الجلیل، رغم تنصل المتأخرین عنهم.

وانظر الی ابي حامد الغزالي ینسبون الیه کل البدع والخرافات الصوفیة، لکنهم یقولون عنه انه مات وصحیح البخاري علی صدره وهو نادم عن کل ما انتجه من الاعمال!

وقد قرأت مقالا لسلفي، عبدالمنعم الشحات، بعنوان [د. محمد عمارة سلفي بعقله عقلاني بقلبه].

عن المفکر المعروف محمد عمارة الذي یتحدث فیه عن سلسلة من مقالات له عن ابن تیمیة یبدي فیها اشد الاعجاب بابن التیمیة! ویطمع کاتب المقال فیه ان یتحول المفکر العقلاني [هکذا یسمیه، وکأن العقلانیة مسبة وعار] الی ان یصبح داعیة للسلفیة! ویتهمه بانه قد نشر الكثير من رسائل المعتزلة التي تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة مخالفة فجةً وصريحةً".

وهو یبدي تحفظه لأن محمد عمارة یقارن بین مشروع ابن تیمیة الاصلاحي ومشروع الاشعري وابي حامد الغزالي و ویأخذ علیه انه لا يوافق على انتقادات ابن تیمیة الضمنية لمنهج الأشعري، وكذلك لا يوافق على نقد المنهج الإصلاحي لحجة الإسلام الغزالي الذي يرى أن مشروعه لا يقل روعة عن مشروع ابن تيمية، وأن ابن تيمية قد أفاد من مشروع الغزالي الإصلاحي!

و یقول إنه لا يمكن لقارئ جيد لفكر ابن تيمية، في مستوی محمد عمارة أن يغيب عنه الخصومة الفكرية الشديدة بين ابن تيمية وبين المنهج المنسوب للإمام أبي الحسن الأشعري في مرحلته الوسيطة أثناء تصديه لتيار الاعتزال!

والغریب انه ینتقد عمارة لمطالبته ایاهم بان یقتدوا بسعة صدر امامهم [مع انني لا اعتقد ان ابن تیمیة کان واسع الصدر مع خصومه داخل وخارج الاسلام، واتعجب من هذا الادعاء حتی من محمد عمارة!] ویذکرنا کیف ان ما من خصم مذهبي ودیني غیر سلفي إلا ولابن تيمية أو لأحد تلامذته "رد مفحم عليه، جواباً صحيحاً أو صارماً مسلولاً أو صواعقاً مرسلة أو صارماً منكياً.!!"

واخیرا یتمنی ان یقتدي محمد عمارة بـ محمد رشيد رضا الذي حسب زعمه تحول عن المشروع العقلاني و لینتمي الی السلفیة!! ویقتدي بالاشعري و الغزالي بالطبع! یقال هذا و محمد عمارة کتب حوالي اربعة کتب عن السلف و السلفیة و کتب عن ابن تیمیة: رفع الملام عن شیخ الاسلام ابن تیمیة، و الذي یبالغ فیه ایما مبالغة في وصف ابن تیمیة، حیث یقول في مقدمته للکتاب: "

"لو ان المشروع التجدیدي لابن تیمیة قد وجد [الدولة والسیاسة] التي تنهض به لتغیر وجه العالم الاسلامي ووجهته، ولاختصرت الامة من عصور التراجع الحضاري عدة قرون"! ‌کیف لرجل یدعي العقلانیة و الاعتدال ان یصدر منه مثل هدا الکلام في من لیس علی وفاق مع اي آخر من الاخرین، سواء کان مسلما [شیعة و سنة والمداهب الاخری] او غیر مسلم سواء کان عالما بالرسالة او جاهلا به.

ناهیك عن ارائه السلبیة جدا عن المرأة و الذي یصفهم بانهم کاللحم علی الوضم، والوضم هذە الخشبة التي یقطع علیها اللحم؟!

خسارة ان تقدم العقلانیة الاسلامیة هذه التنازلات لصالح المدرسة النصوصیة التي تضیق بفکر وعقل محمد عمارة، رغم ما یقدمه من تنازلات لهذه المدرسة المتشددة، فرغم التماهي الاسلاموي السیاسي و القومي بین التجلیات الفکریة القومية عند عمارة والفکر العروبوي السلفي، لم یوفق في استمالتهم الیه؟! و قد وجدت في ملتقی اهل الحدیث تحت احد کتب محمد عمارة تعلیقا من سلفي اقرب الی تکفیر الرجل: "الدكتور عمارة حامل لواء الاعتزال وسادن الوثن العقلاني في هذا الزمان.

عجيب أن ينخدع به من ينتمي إلى العلم مع أنه يصرح ليل نهار أنه معتزلي ودراسته الأكاديمية كلها في الدفاع عن فكر المعتزلة..ولأجل أن تروج سلعته الخاسرة بدأ مؤخراً يتمسح بشيخ الإسلام ابن تيمية، ويوهم الناس أنه المكتشف الحقيقي له، وأن مدرسة الأفغاني ومحمد عبده العقلانية هي الوريث الشرعي لشيخ الإسلام، وهو ينسب لشيخ الإسلام القول بالتحسين والتقبيح العقلي، وأنه من أصول التشريع، وكذب فشيخ الإسلام من أئمة أهل السنة والمعظمين لنصوص الشريعة، وهو سيف السنة في رقاب المبتدعة من المعتزلة وغيرهم"! اضف الی ذلك مقالات کثیرة کتبتها السلفیة في نقد وتجریح عمارة وناهیك عن کتاب: محمد عمارة في ميزان أهل السنة والجماعة، لسلیمان بن صالح الخراشي الذي یقول في محمد عمارة ما لم یقله مالك في الخمر !! هذا هو دیدنهم مع من یمدح ائمتهم ویقدم تنازلات مجانیة او مدفوعة الثمن لفکرهم المتطرف، فکیف بالذي لا یجد ارضیة مشترکة معهم في اي صعید، ولا یجد في مجمل امرهم مایوافقهم علیه؟!

محمد حریري

كاتب كردي عراقي