هجمات انتقائية على الحرس الرئاسي التونسي وسط تكتم رسمي

تحول نوعي خطر في النشاطات الإرهابية

أقدم مهاجمون مجهولون على حرق سيارتين شخصيتين إحداهما لأحد عناصر الحرس الرئاسي التونسي كانتا رابضتين أمام منزليهما في مدينة قلعة الأندلس بمحافظة أريانة، القريبة من مدينة تونس العاصمة.

وقالت مصادر مطلعة أن السيارة الثانية هي لأستاذة بدار الشباب بالمدينة، وقد تم حرق سيارتها على وجه الخطإ، وذلك للتشابه الكبير بين سيارتها وسيارة رجل الامن المستهدف.

وأطلقت هذه العملية العنان للتكهن بشأن ما إذا كان الحرس الرئاسي قد أصبح فعليا هدفا مباشرا للإرهابيين لملاحقة عناصره في كل مكان يتواجدون فيه، بحكم عملهم أو إقامتهم أي في مناطق سكناهم الأصلية وفي منازلهم.

ووقع الحادث في الساعات الأولى من يوم الأحد، أي بعد وقت قصير من بدء سريان قرار رفع حظر التجول الليلي والذي كانت السلطات التونسية قد أقرته غداة التفجير الإرهابي الذي وقع الثلاثاء 24 نوفمبر/تشرين الثاني في شارع محمد الخامس بتونس العاصمة، وأودى بحياة 12 من عناصر الأمن الرئاسي.

وفي المدينة الصغيرة التي تضم عددا كبيرا من المشتغلين في السلك الأمني بمختلف أجهزته، سادت حالة من الهلع بين السكان وخاصة في صفوف الأمنيين من أبناء المدينة الذين أصبحوا يخشون من أن يكونوا بدورهم عرضة لاعتداءات جديدة تستهدفهم شخصيا أو تستهدف ممتلكاتهم وحتى أفراد عائلاتهم.

كما لوحظ أن عددا من الأمنيين الذي يسكنون في المدينة قد سارعوا إلى تأمين سياراتهم وفرض حراسة ليلية مشددة عليها خوفا من أن يكونوا الهدف القادم للإرهابيين.

ووسط تكتم شديد من السلطات التونسية وخاصة من وزارة الداخلية، رجحت مصادر أمنية مطلعة أن يكون إحراق السيارتين قد حصل في سياق ردود فعل انتقامية من الجهاديين الذين تعرضوا في الفترة التي اعقبت الهجومالانتحاري في شارعمحمد الخامس، إلى ضربات موجعة بعد عمليات المداهمة الليلية التي تمت في ضواحي تونس الكبرى، والتي تضم أيضا محافظة أريانة.

ويبدو أن السلطات التونسية قد حرصت على أن لا يصل هذا الحادث إلى وسائل الإعلام لأنه قد يشكل عامل إحراج لها، لاسيما بسبب توقيته، إذ يبدو وكأنه ردّ مباشر على قرار رفع حظر التجول، ما قد يعني أن القرار بدا متسرعا وأن مهمة ملاحقة الإرهابيين طيلة الأسابيع الثلاثة الماضية -هي مدة فترة حظر التجول- لم تكن نتائجها الأمنية على نحو جيد كما روجت لذلك وزارة الداخلية.

ويقول محللون إن الإرهابيين يضعون في حساباتهم وهم ينفذون عملياتهم الإجرامية، الضغط على الاقتصاد التونسي الهش والذي يرتبط أداؤه على نحو رئيسي بالوضع الأمني في البلاد.

وفي أحيان عديدة تجد السلطات التونسية نفسها مكرهة بين أن تحد من حركة المواطنين بحظر التجول فتعطل حركة النشاط الاقتصادي، أو تخفف شدة القبضة الأمنية فينشط الإرهابيون في تنفيذ مخططاتهم الإرهابية.

وقال عدد من أهالي قلعة الأندلس إن مدينتهم تأوي بدورها عددا من العناصر المتشددة والتي تخضع للمراقبة الأمنية، مؤكدين أن حرق سيارتي عنصري الأمن الرئاسي لا شك وأنه قد تم بأيادي متشددين يعرفون مدينتهم جيدا، ولهم ارتباطات خارجها.

ويقول محللون إن المهاجمين الذين أحرقوا السيارتين ربما أرادوا إرسال بعض الرسائل أهمها، أنهم ما يزالون قادرين على الضرب في التوقيت والهدف المناسبَيْن، وأن الدولة التونسية مهما فعلت لن تتمكن منهم ومن مخططاتهم.

وقال بعض المواطنين إن إصرارهم على تأكيد فرضية العامل الإرهابي سببه ان مدينتهم الصغيرة والمحافظة، "مؤمنة ذاتيا" ونادرا ما تشهد مثل هذه الحوادث لأنها معروفة بتركيبتها الاجتماعية التي تتكون في أغلبها من أسر وعائلات متضامنة ومرتبطة بعلاقات قرابة الأمر الذي يقلل من فرضية الحادث الإجرامي العرضي.

وقال مراقبون إن حصول الحادثتينبعدساعات من رفع حظر التجول، وبمجردّ أن سارعت السلطات البلدية إلى فتح المنطقة المغلقة من شارع محمد الخامس مسرح جريمة 24 نوفمبر أمام حركة السيارات والمواطنين، يعني أن الهجوم مدبر ومخطط له سلفا وعلى نحو محكم، وهذا ما يعني أن "جماعة إرهابية" كانت تمتلك المعلومات الكافية عن تحرك العنصرين الأمنيين المستهدفين وانتظرت اللحظة المناسبة لتنفيذ عمليتها.

وأكدت وزارة الداخلية أن عمليات المداهمة اسفرت عن الإيقاع بالمئات من العناصر التكفيرية وعن تفكيك هياكلها التنظيمية.

وأعلن الرئيس التونسي الباجي قائدالسبسي حالة الطوارئ في البلاد وحظر التجول ليلا منذ الهجوم الانتحاري حافلة للحرس الرئاسي على بعد بضع مئات الأمتار من مبنيي وزارة السياحة والداخلية.

ومنذ الهجوم الأخير، اعتقلت تونس عشرات تشتبه في صلاتهم بجماعات متطرفة ووضعت حوالي 100 من العائدين من سوريا والعراق وليبيا تحت الإقامة الجبرية.

وأقال رئيس الوزراء خمسة من كبار المسؤولين الأمنيين في خطوة قال إنها تهدف لإصلاح جهاز الأمن.

ويخشى المراقبون من احتمال أن الإرهابيين يمتلكون قوائم بأسماء عدد من عناصر الأمن الرئاسي وأماكن سكنهم لترصدهم وتصفيتهم في الوقت المناسب وفقا لمخططات مدروسة وموضوعة مسبقا.

ويقول هؤلاء المراقبون إن مثل هذه الفرضية تؤكد بدورها احتمال أن يكون جهاز الأمن الرئاسي مخترقا فعليا وأن هناك من يعمل داخل هذا الجهاز ويزود الجماعات الإرهابية بتحركات عناصره وأمان سكنهم، لاستهدافهم كلما سنحت الفرصة.

ويؤكد خبراء أمنيون أنّ استهداف جهاز الأمن الرئاسي يمثل تحولا نوعيا خطرا في مخططات الجماعات الإرهابية، ويؤكد أنّ تلك الجماعات نقلت هجماتها من الجبال والمدن والقرى إلى قلب العاصمة وضواحيها.