الكتابة كجزء من المقاومة الوطنية

الرواية الفلسطينية مبنية من أحجار فسيفساء

رواية أم حكاية أم نص طويل؟ ماذا يهم ما دام المتن قادرا على حمل المعنى، ربما لم يكن عواء في غرفة مكيفة وهل كانت عادة الذئاب كذلك؟ ربما هو الفرق بين الشجر البري ونباتات الظل، الفرق بين ذئاب الليل والجبال العالية والقمر الحر وبين كلاب المنازل المدللة.. ربما هو الفرق بين ماء النبع والماء المعبأ في زجاجات معقمة، الفرق بين خبز الأمهات والمخابز الآلية، ربما هو الفرق بين النرجس البري والزهر الاصطناعي.

هكذا يقدم الشاعر الفلسطيني ماجد أبو غوش لروايته "عسل الملكات" الصادرة عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع، وتعتبر العمل الروائي الأول له بعد سلسلة من الدواوين الشعرية وقصص وأغان للأطفال.

تنحاز هذه الكتابة إلى الرواية الوطنية وأدب المقاومة والمواجهة بالإبداع كفعل مجابهة ضد للاحتلال الصهيوني، فهي تؤرخ لمرحلة من النضال الفلسطيني والتحولات الكثيرة بين عام 2000 و2005 أو ما سميت بالانتفاضة الثانية، وطرح من خلالها أسئلة كثيرة بخصوص الأحزاب والسياسة ونقد الذات ضمن رؤية أدبية اتخذت شكل السيرة الذاتية.

وإذا كانت الرواية الأولى في معظم الأحيان كما قال الشاعر البريطاني كليف جيمس هي سيرة ذاتية مقنعة، فإن هذا الكلام ينطبق على "عسل الملكات" التي انطلق فيها الكاتب من ذاته مطابقا بها من حيث ضمير المتكلم بين المؤلف والشخصية، حيث عايش الاحداث السياسية في سني كتابة الرواية، متحسسا من خلال هذه الرواية مرجعيته الذاتية وحياته وتاريخه الشخصي وعلاقته مع الحدث في الرواية، هذا العبء أو الثقل الذي يرهق كاهل الذاكرة يحاول الكاتب عادة في أولى أعماله الروائية أن يتخلص منه ويطرحه إبداعا.

تبدأ الرواية التي يرويها المؤلف بضمير المتكلم بخبر وفاة أحمد الديب الذي تلقاه الرفيق علي ثم تتوالى الأحداث بطريقة استرجاع الذكريات أو ما يسمى "الفلاش باك" حتى تصل إلى إضاءة حياة أحمد ديب الذي ترك وصية يطلب فيها من أحمد ديب من الرفيق علي نشر رسائله، وتبين الرواية فيما بعد طبيعة هذه الرسائل وكيف قدمت واستعرضت مع الأحداث الأخرى في الرواية مراحل زمنية فاصلة ومهمة في حياة الرواي ضمن تحولات مجتمعية محيطة بصاحب الحدث أفرزتها الانتفاضة الثانية وأثرث في التكوين النفسي والثقافي للراوي أو لصاحب السيرة الذاتية.

تميزت هذه الرواية بلغة سردية بعيدة عن التكلف والشعرية، فقد انحاز ماجد أبو غوشة في روايته إلى اللغة الروائية السردية التي تعتمد الجملة القصيرة والمباشرة في كثير من الأحيان، وحاول أن يتخلص من شاعريته، فكتب الحدث بتقنية اللغة التي اعتمدت على الفعل أكثر من اعتمادها على الصورة والبناء المجازي، ساعده ضمير المتكلم في هذا المعمار الروائي الذي اعتمده في سرد روايته الأولى وأتاح له الإمساك بخيوط الحدث بحرفية عالية وإعطائه المساحة اللازمة من اللغة البسيطة الخالية من التهويمات الفنية.

وحول روايته الأولى قال ماجد أبو غوش في حوار معه لصحيفة الأيام "بالنسبة لي أولا الكتابة طريقة حياة والثقافة جزء من المقاومة الوطنية، لدى العدو روايته المتسعة ونحن لا نزال نعمل على سرد روايتنا، هذه الرواية الفلسطينية مبنية من أحجار فسيفساء، ولا بد لنا كشعب فلسطيني أن يكون لدينا روايتنا التاريخية، وفي هذا الإطار تأتي "عسل الملكات" وهذا النص يلح عليّ منذ سنوات، سواء من باب التجارب التي عايشتها بنفسي، أو تلك التي عايشها رفاق لي، وفيه شيء من الواقع، وشيء من الخيال وأدعي أنني لم أقوّل أبطال الرواية ما أريدهم أن يقولوه، هم هكذا وهكذا يتصرفون وبهذه الطرائق، وهذا هو كلامهم بكل أريحية وحرية، فهناك أصحاب المبادئ، وهناك المتلونون الذين يغيرون مبادئهم، كما هو خالد في الرواية الذي تحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وهذه التحولات التي تحدث ليس فقط خمس سنوات فقط، بل في عشرين عاماً لربما، خاصة ما يتعلق بالتحولات الشخصية".

ويذكر أن ماجد أبو غوش شاعر وروائي فلسطيني ويكتب قصصا للأطفال وكلمات للأغاني كذلك، أصدر حتى الآن 12 كتاباً هي: "صباح الوطن" 1984، "قالت لي الأرض" 1989، "بغداد"، 1991، "عمواس" 1991، "قيامة" 1991، "حمى وردة الشهداء" 2001، "بكاء الوردة" 2002 ترجم إلى الإسبانية، "بانتظار المطر" 2004، "غيمة زرقاء" 2007، "أسميك حلما"، "أنتظر ليلي" 2009، "عصيان" 2013، "أحلام ماجد" قصة أطفال 2015، إضافة لرواية "عسل الملكات".