النهضة على وشك التفكك مع انسحاب رأس الحمائم

انقسامات النهضة تبدأ بالمؤسسين

أعلن عبد الفتاح مورو القيادي التاريخي لحركة النهضة الإسلامية وأحد أبرز مؤسسيها أنه يعتزم الانسحاب من الحركة، معتبرا ان "الوقت قد حان للانسحاب كقيادي من النهضة"، ما بدا مؤشرا قويا على أن الخلافات الداخلية التي تعصف بها منذ أشهر في إطار "تكتم شديد" قادتها إلى الوقوف على مشارف تفكك بنائها التنظيمي والسياسي.

وقال مورور الذي يقود جناح الحمائم داخل حركة النهضة مساء السبت في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء على هامش ندوة دولية انتظمت في تونس العاصمة إنه "حان الوقت للانسحاب كقيادي من النهضة".

وأضاف مورور الذي يقود جناح الحمائم داخل حركة النهضة مساء السبت 12 ديسمبر الحالي في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء على هامش ندوة دولية انتظمت اليوم السبت 12 ديسمبر 201 بتونس العاصمة "حول الإعجاز الاقتصادي في القرآن والسنة إنه "حان الوقت للانسحاب كقيادي من النهضة".

ويبدو أن إعلان مورو اعتزامه الانسحاب من النهضة صدم الغنوشي حيث سارع إلى التصريح أن انسحاب عبد الفتاح مورو من منصبه القيادي في الحركة وابتعاده عن السياسة هي مسألة "تحتاج مزيد من التأمل والتفكير".

وأضاف الغنوشي السبت لإذاعة جوهرة أف آم المحلية أنه "من الممكن" أن يكون مورو قد قصد من خلال تصريحه أنه "لن ينافس مستقبلا على أي منصب سياسي".

ويؤشر قرار مورو الذي كثيرا ما دعا الحركة الإسلامية إلى إجراء مراجعات عقائدية وسياسية وإلى الانفتاح على المشهد السياسي المتعدد فكريا وسياسيا، الى ان حالة تململ قياداتها وكوادرها وقواعدها منذ خسارتها في انتخابات خريف 2014 أخذا نسقا تصاعديا على المستويين التنظيم والسياسي قد يقود إلى تفكك الحركة التي كثيرا ما تباهت بتماسك بنائها التنظيمي.

ودعا مورو النهضة إلى تجديد هياكلها القيادية بنسبة 30 في المائة خلال مؤتمرها القادم المزمع في بداية العام 2016 باتجاه النأي بنفسها عن "سطوة" القيادات التقليدية على مواقع صنع القرار ضمن تنظيمها.

ويستبطن إعلان مورو عزمه الانسحاب من النهضة نوعا من الانتفاضة داخل جناح الحمائم في الحركة الإسلامية، الذي يطالب بأن تكون النهضة أكثر انفتاحا على القوى السياسية العلمانية، في حين يتمسك صقورها بـ"الثوابت" العقائدية والفكرية للحركة.

وعلى الرغم من أنه يعد أحد أبرز مؤسسي حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة حاليا) في يونيو/حزيران 1981، فقد خرج عن تكتمه ليصرح في أكثر من مناسبة بأنه مهمش تنظيميا وسياسيا من قبل قوى شباب وصفهم بـ"المتشددين" يستحوذون على مواقع صنع القرار الحزبي داخل تنظيم الحركة ومؤسساتها.

وترجع دوائر مقربة من النهضة عزم مورو الانسحاب من الحركة إلى خلافه فكريا وسياسيا مع عدد من القيادات وفي مقدمتها راشد الغنوشي، يتعلق أساسا بمراجعات جذرية وعميقة تكون كفيلة بتحرير نشاطها السياسي المدني من سطوة مرجعيتها العقائدية باتجاه حزب سياسي مدني يتخذ من الدستور المدني الصادر في يناير/كانون الثاني 2014 مرجعيته الوحيدة.

ولم يتردد مورو الذي يتبنى فكرا سياسيا منفتحا وتربطه علاقات وثيقة مع القوى السياسية والمدنية العلمانية في توجيه انتقادات لاذعة للغنوشي سواء في كيفية إدارته للحركة أو بشأن انفتاحها أكثر على الخارطة الحزبية.

ويرى مورو أن الغنوشي بات محاصرا من قبل شباب متشدد في إشارة إلى استحواذ جناح الصقور على مؤسسات النهضة ومواقع صنع قرارها السياسي وفي مقدمتها مجلس الشورى الذي يحتكر صنع مختلف قرارات الحركة.

ويقول سياسيون إن "انتفاضة" عدد من قيادات النهضة وكوادرها وقواعدها الانتخابية التي اشتعلت في أعقاب انتخابات خريف 2014 التي فاز فيها حزب نداء تونس العلماني على حساب الحركة الإسلامية، قادت بالنهضة إلى تفجر تنظيمها إلى ثلاث تيارات تشقها خلافات حادة.

يقود التيار الأول راشد الغنوشي وهو تيار يرتهن إلى فكر الإسلام السياسي ويسعى إلى تحقيق معادلة صعبة تتمثل في التمسك بالمرجعية العقائدية للحركة من جهة، والسعي من جهة أخرى إلى نوع من التقارب الحذر والممنهج مع العلمانيين.

ويقود مورو التيار الثاني، وهو تيار يتمسك بضرورة فصل الخلفية العقائدية للحركة عن نشاطها السياسي وذلك من خلال نقلة نوعية من شأنها أن تجعلها حزبا سياسيا مدنيا بعيدا عن ارتهانه للمرجعية العقائدية.

أما التيار الثالث فهو تيار سلفي تقوده قيادات تاريخية مثل الصادق شورو والحبيب اللوز وهو تيار يرفض إجراء أية مراجعة للخلفية العقائدية ويرى في دستور يناير 2014 دستورا علمانيا ويرفض أيضا أي شكل من أشكال التقارب مع القوى السياسية والمدنية العلمانية.

وتقول دوائر مقربة من النهضة إن الغنوشي يقود منذ انتفاضة عدد من القيادات والكوادر والقواعد جهودا لتهدئة حالة من التشنج تجتاح الحركة وذلك من خلال مد جسر من التوافق بين التيارات الثلاث في مسعى إلى قطع الطريق أمام "تفجر البناء التنظيمي" للحركة.

ويعود تفجر علاقة عبد الفتاح مورو مع التيار الذي يقوده الغنوشي والتيار السلفي الذي يقوده كل من الصادق شورو والحبيب اللوز إلى سبتمبر/ايلول من العام 2013 أي خلال فترة حكم الترويكا بقياد النهضة، حين كشف في تصريحات صحفية أنه "يتعرض إلى عملية تقزيم".

وكثيرا ما يعرب مورو عن تذمره أيضا من استبعاده من أية مهمة إعلامية أو مهمة مفاوضات أو مشاورات حول أي مسالة سواء كانت داخلية أو خارجية بدعوى أن تصريحات عبد الفتاح مورو لا تلزم حركة النهضة.

وقال مورو آنذاك أن "النهضة لم تتهيأ بعد لتكون طرفا سياسيا حاكما باعتبارها لم تتخلص من ضبابية خطها" لافتا إلى أن "قيادات الحركة الحاكمة لم تتدرب في حزب بعيدا عن الدغمائية والعقائدية".

وأخذ خلاف مورو مع الغنوشي المتمكن سياسيا وعقائديا في تنظيم الحركة نسقا تصاعديا بعد أن تأكد من أنه يتعرض إلى عملية تهميش ممنهجة تهدف إلى استبعاده من مواقع صنع القرار من قبل من وصفهم بـ"شباب من المتشددين".

وخلال فترة حكم الترويكا استبعدت النهضة مورو من أية مهمة حكومية حتى أن قراراتها سواء منها المتعلقة بشأنها الداخلي وكيفية إدارة تموقعها في تضاريس الخارطة السياسية أو سواء منها القرارات الحكومية المتعلقة بكيفية التفاعل الإيجابي مع القوى السياسية والمدنية والعلمانية.

ويقول مرور إن النهضة رتبت خياراتها بشأن التعاطي مع المشهد السياسي للبلاد دون أن تتم استشارته رغم أنه يتولى نائب رئيس الحركة وأنها ارتأت "أني لست نافعا في هذه المرحلة وأنها في غير حاجة إلى خدماتي".

ولا يستبعد سياسيون أن يقود انسحاب عبد الفتاح مورو من قيادة النهضة إلى بداية تفجر أزمة داخلية قد تفضي إلى تشظيها وإلى تفكيك بناءها التنظيمي والسياسي، خاصة وأن قرار مورو بالانسحاب يأتي في وقت ارتفع فيه منسوب خلافات حادة تشق عدد من قياداتها وكوادرها وقواعدها التي تحملها مسؤولية فشلها في الانتخابات الماضية وتطالب بإشراكها في صناعة القرار.